
في الليلة التالية، تكرر المشهد. دخل مارك مع صوفي إلى الحمام، وارتفعت أصوات تدفق المياه الخافتة. تحركت بحذر شديد على أطراف أصقاع قدمي، واقتربت من باب الحمام الذي كان موارباً بمسافة سنتيمترات معدودة. انحنيت لألصق عيني بالشق الداخلي، وما أن رأيت ما يدور بالداخل حتى تكشفت لي خبايا غريبة.
لم يكن هناك أي استرخاء معتاد؛ كان مارك يرتدي قفازات بلاستيكية ويهمس لصوفي بتعليمات صارمة حول التركيز والانتباه لمؤقت زمني صغير وضعه على حافة المغسلة، بينما كانت الطفلة تجلس في حوض الاستحمام تحاول تنفيذ تدريبات معينة للتركيز وصفاء الذهن بناءً على أوامر صارمة منه. لم يكن الأمر أذى جسدياً، بل كان أشبه بتجارب سلوكية ونفسية غريبة لإخضاع الطفلة لسيطرة كاملة وطاعة عمياء، وكأنها جزء من مشروع بحثي سري يجريه داخل منزله!
تراجعت إلى الخلف وأنا ألهث بعنف. لم أتردد لحظة واحدة؛ تناولت هاتفي المحمول بهواتف مرتعشة، واتصلت بالشرطة فوراً، مبلغة عن وجود ممارسات وتجارب غير مرخصة ومشبوهة تُجرى داخل المنزل على طفلة صغيرة.
لم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى استجابت دورية الشرطة للبلاغ، وحضر الضباط إلى المكان بكل احترافية. تم فتح الباب واقتحام الغرفة بحزم، حيث أُلقي القبض على مارك الذي لم يبدِ أي مقاومة، بل قابل الموقف بابتسامة باردة ومستفزة، مدعياً أنه مجرد مدرب لتنمية المهارات العقلية والتركيز السريع للأطفال!
في قسم الشرطة، وأثناء التحقيقات الموسعة وتفتيش أركان المكتب والغرفة السرية الخاصة بمارك، اكتشف المحققون مفاجأة صاعقة. لم تكن هذه هي التجربة الأولى؛ فقد عثر الضباط على خزانة حديدية سرية تحت الأرضيات تحتوي على ملفات ومستندات وباسبورات مزورة بأسماء مختلفة، بالإضافة إلى صور لأطفال آخرين ممن فُقدوا في ظروف غامضة على مدار السنوات السابقة، وتبين أن مارك كان يدير شبكة بحثية غير قانونية متخصصة في هندسة الوعي وبرمجة السلوك البشري للأطفال بهدف دراسة مدى استجابتهم للسيطرة التامة!
كما كشفت التحقيقات الطبية والنفسية أن مارك لم يكن زوجاً عادياً، بل كان باحثاً سابقاً في علم النفس السلوكي فُصل من جامعته بسبب أبحاثه المحظورة التي تتجاوز القوانين والأخلاق، واستغل هدوءه ومظهرها الراقي ليخلق حياة مزيفة بالكامل معي أنا الأخرى، حيث تبين أنني كنت خاضعة لتجارب نفسية خفيفة لتعديل الذاكرة والسيطرة على قراراتي طوال سنوات الزواج حتى لا أتدخل في شؤونه.
تم تحويل القضية برمتها إلى القضاء المختص، وحُكم على مارك بالسجن المشدد لفترة طويلة بعد إدانته بتعريض قاصر للخطر وإجراء تجارب محظورة وانتحال صفة وتزوير وثائق رسمية. أما صوفي، فقد خضعت لفحوصات واسترخاء نفسي شامل تحت إشراف نخبة من أطباء الأطفال المتخصصين لمساعدتها على تجاوز آثار تلك التجربة القاسية واستعادة طفولتها الطبيعية المبهجة.
أما عني، فقد انتقلت للعيش في مدينة ساحلية هادئة رفقة ابنتي بعد أن استعدت كامل وعيي وذاكرتي المستقلة بعيداً عن أي تأثيرات خارجية. تعلمت من هذه التجربة القاسية أن الحدس الداخلي للأم هو الحصن الأمني الأول الذي لا يجب التنازل عنه أبداً، وأن مواجهة الحقيقة مهما كانت صعبة تبقينا في الأمان الحقيقي بعيداً عن أوهام السعادة المزيفة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




