قصص و روايات

جوزي وبنتي

كانت الحياة تدور في منزلنا بنسق هادئ، أو هكذا بدا لي طوال السنوات الخمس الماضية منذ أن رزقنا الله بابنتنا الوحيدة صوفي. كانت طفلة هادئة، ذات ملامح بريئة وشعر كيرلي ناعم يمنحها وجهاً أشبه بملائكة اللوحات القديمة. لكن أكثر ما كان يثير استغرابي، وأحياناً راحتي في البداية، هو إصرار زوجي “مارك” الدائم على تولي مهمة تحميم الطفلة بنفسه كل ليلة قبل النوم.

 

كان مارك زوجاً مثالياً في نظر الجميع؛ هادئ الأعصاب، يبتسم بتهذيب، ويعمل مهندساً للديكور وتصميم الأثاث، مما يجعله يقضي ساعات طويلة في منزله ومكتبه الخاص. عندما كان يأخذ صوفي إلى حمام الطابق العلوي، كانا يغلقان الباب خلفهما لفترات طويلة تتجاوز أحياناً الساعة الكاملة. وحين كنت أتسلل للاستفسار أو أطرق الباب بخفة، كان يرد علي بنبرة هادئة ورتيبة من خلف الخشب المغلق: “لا تقلقي يا حبيبتي، نحن ننهي روتين الاسترخاء الخاص بنا، تخلصي من أعباء اليوم ودعيني أشيل عنك هذا العناء.”

لفترة طويلة، كنت أبتسم وأشكره، معتبرة أن هذا التعاون الأسري دليل على نبله وحنانه كأب. لكن مع مرور الشهور، بدأت عقارب الساعة تلفت انتباهي بشكل مزعج. هل يتطلب الاستحمام العادي لطفلة في سن الخامسة كل هذه الساعات الممتدة؟ والأغرب من ذلك أن صوفي كانت تخرج من الحمام بدلاً من أن تبدو منعشة ومرتاحة كباقي الأطفال، تبدو مرهقة وشاحبة، وعيناها زائغتان كأنها كانت في رحلة طويلة وشاقة.

في إحدى الأيام، وبينما كنت أرتب الغسيل، وقعت عيني على فوطة مبلولة ومخفية بعناية خلف سلة المهملات داخل الحمام. عندما التقطتها، شممت رائحة غريبة تنبعث منها؛ لم تكن رائحة صابون الأطفال المعتادة، بل كانت رائحة تشبه المواد الكيميائية المستخدمة في التعقيم أو المعامل. سرى شعور خفي بالقبض في صدري، وقررت أن أقترب أكثر من ابنتي لأفهم سر هذه الساعات المغلقة.

في تلك الليلة، وبعد انتهاء طقس الحمام الطويل، جلست على حافة السرير بجانب صوفي التي كانت تحتضن دميتها القماشية بتوتر واضح. وضعت يدي بحنان على شعرها الناعم وسألتها بصوت خفيض:
ـ حبيبتي صوفي، هل تخبريني ماذا تفعلان طوال هذا الوقت داخل الغرفة مع بابا؟

ارتجفت شفايفها الصغيرة، وابتلعت ريقها بخوف شديد وهي تطيل النظر إلى الأرض. همست بصوت يكاد يختفي:
ـ بابا قال لي إن هذه الألعاب سرية، وإنه ممنوع تماماً أن أتحدث عنها لأحد، حتى لكِ يا ماما.. وإلا سيغضب.

شعر جسدي بالكامل بالقشعريرة، وكأن دماء عروقي تجمدت. سألتها بلهفة مرعوبة:
ـ ألعاب إيه يا حبيبتي؟ خايفة من إيه؟ أنا ماما، محدش يقدر يأذيكي!
انهارت صوفي في البكاء وأخذت تهز رأسها بقوة وهي تكرر بارتعاش:
ـ لو قلتِ له إني تكلمت، هيزعل مني ومنكِ ومش هيلعب معايا تاني!

لم أستطع النوم طوال تلك الليلة. قضيت الساعات أراقب أنفاس مارك المنتظمة بجانبي، وأتساءل بحيرة بالغة: هل أنا أبالغ في تفسير الأمور؟ أم أن هناك سراً مظلماً يحاك خلف هذا الهدوء المصطنع؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى