قصص و روايات

مراتي سابتني

مراتي سابتني أول ما عرفت إن ابننا اللي لسه مولود عنده متلازمة داون… فضلت شايل منها 18 سنة، لحد ما عرفنا الحقيقة يوم عيد ميلاده الـ18. مراتي ما رضيتش حتى تبص لابننا اللي لسه مولود. الدكتور كان لسه قايل الكلمة اللي قلبت حياتنا كلها: — ابنكم عنده متلازمة داون. بصيت لها، لقيتها مركزة عينيها في بلاط الأرض، ووشها أصفر كأنها مش مصدقة اللي سمعته. وبصوت متقطع قالت:

— أنا… أنا مش هقدر أعمل كده.

افتكرت إنها في صدمة. قربت منها ومسكّت إيدها وقلت:
— إحنا هنعدّيها سوا… يوم بيوم. مش لازم نفكر في كل حاجة دلوقتي.

لكنها فضلت تهز راسها بالنفي. بعد يومين بس… مراتي رفعت قضية، وتنازلت عن كل حقوقها، لمّت هدومها في شنطة واحدة، ومشيت. كنت وقتها عندي تلاتين سنة. واقف في شقتنا، شايل ابني اللي عمره تلات أيام بين إيديا، ومش قادر أفهم إزاي واحدة ممكن تسيب بيتها في أقل من 48 ساعة.

في الأسبوع ده، دخلت محل الهدايا اللي جوه المستشفى واشتريت كارت مكتوب عليه: “عيد أم سعيد”. كنت ناوي أبعته لها. لكن الكارت فضل محطوط في نفس درج الكومودينو لمدة 11 سنة. عمري ما بعته. السنة اللي ليو احتاج فيها جلسات تخاطب مرتين كل أسبوع، بعت عربيتي عشان أقدر أدفع تكاليف العلاج. وفي ليالي كتير، كنت بستنى لحد ما ينام، وأدخل أوضتي وأحزن لوحدي. كنت خايف… خايف أكون مش قد المسؤولية. خايف أفشل كأب. لكن ليو عمره ما شاف مني الخوف ده. بالنسبة له، كان شايف نفسه أحسن وأهم حاجة حصلتلي في الدنيا.

وكان فيه واحدة عمرها ما سابتنا لوحدنا… طنط نوال، جارتنا. من أول يوم، وهي معانا في كل حاجة. كانت بتيجي معانا مواعيد الدكاترة، تحضر حفلات المدرسة، تفرح بأصغر إنجاز يحققه ليو، وتفضل تحكي عنه لكل اللي تعرفهم كأنه حفيدها هي. كانت تحبه كأنه ابنها. أو بالأصح… كأنه حفيدها اللي ربنا رزقها بيه.

ومرت السنين. لحد امبارح… ليو تم 18 سنة. ما عملناش حفلة كبيرة ولا جبنا ناس كتير. كانت قعدة بسيطة جدًا… أنا، وليو، وطنط نوال. عشا معمول في البيت، وتورتة صغيرة، وشمع أكتر بكتير من اللازم. ليو ضحك وهو بيحاول يطفي الشمع كله مرة واحدة. وبعدها، وسط ضحكنا، مد إيده في جيبه وطلع جواب صغير لونه مصفر من قدمه. حطه قدامي على الترابيزة.

ضحت وقلت له:
— يا حبيبي، النهارده عيد ميلادك إنت! إيه الجواب ده؟

بصلي بهدوء وقال:
— عارف يا بابا.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى