قصص و روايات

مراتي سابتني

وبعدين بص ناحية طنط نوال.
— هي قالتلي إن النهارده… هو اليوم اللي ينفع أعرف فيه الحقيقة.

بصيت لطنط نوال. لكنها ما ضحكتش. بالعكس… إيدها كانت بتترعش وهي ماسكة فنجان الشاي، لدرجة إن الفنجان كان بيخبط في الطبق بصوت مسموع. مسكت الجواب. بصيت على التاريخ المكتوب على الظرف… التاريخ كان من 18 سنة بالظبط. أما الخط… فأنا كنت عارفه كويس جدًا. كان خط جوليا… أم ليو. مراتي اللي فضلت طول الـ18 سنة زعلان منها ومش فاهم سبب اللي عملته.

طنط نوال مسحت دموعها بسرعة، وقالت بصوت مكسور:
— يا أحمد… هي ما مشيتش لأنها بطلت تحبكم.

سكتُّ. قلبي بدأ يدق بسرعة. كملت وهي بتبص للجواب:
— أنا وعدتها إني ما أديكش الجواب ده غير لما ليو يتم 18 سنة.

وبصتلي في عيني مباشرة وقالت لأنها كانت عارفة إنك لو قريت الكلام ده قبل النهارده ممكن تظن بها ظن سيء بدل ما تفهم هي عملت كده ليه. فتحت الظرف بإيد بتترعش. طلعت الورقة. كان أول سطر كفيل إنه يخليني أنسى أتنفس:

«يا أحمد، لو إنت بتقرأ الجواب ده، يبقى ليو كبر، وأنا أخيرًا نفذت وعدي.»

وقفت مكاني. ليو كان ساكت. وطنط نوال حاطة إيدها على وشها. كملت قراءة:
«أنا عارفة إنك زعلان مني. وعارفة إنك حكيت لليو إني سبتكم. ويمكن هو نفسه سأل كتير عني وإنت ما لقيتش غير إنك تقول له إني كنت ظروف صعبة منعتني أتحمل. إيدي بدأت تتقل. لأني فعلًا قلت له كده. مش مرة واحدة. كل ما كان يسألني بابا، ماما مشيت ليه؟ كنت أقول لأنها ما كانتش مستعدة للمسؤولية. وكنت دايمًا بقفل الكلام بعدها. لكن الجواب كمل: بس الحقيقة يا أحمد، إني ما مشيتش عشان ليو عنده متلازمة داون.»

بصيت لليو. كان بيبصلي هو كمان. قلت بصوت مبحوح:
— كمّل إنت يا ليو.

هز راسه:
— لأ يا بابا، إنت اللي لازم تقراه.

رجعت للورقة:
«بعد ما الدكتور قال لنا التشخيص، حصلت حاجة محدش في المستشفى عرفها غيري…»

وقفت عن القراءة لحظة. قلبي بدأ يدق أسرع.
«قبل ما أدخل عليك الأوضة، سمعت الدكتور وهو بيتكلم مع حد في الممر. كان بيقول إن نتيجة التحاليل اللي اتعملت لليو مش متوافقة مع الملف اللي اتحط عليه.»

رفعت عيني عن الورقة. إيه؟! طنط نوال شهقت. ليو قرب مني:
— يعني إيه يا بابا؟

رجعت للجواب:
«اكتشفت إن فيه خطأ حصل في المستشفى. طفلين اتبدلت ملفاتهم مؤقتًا، والدكتور كان خايف يبلغ الإدارة قبل ما يتأكد.»

حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي. لكن اللي جاي كان أسوأ:
«وأنا لما سألت الدكتور عن الموضوع، قال لي حاجة خوفتني جدًا. قال إن الطفل التاني كان مصاب بمشكلة صحية خطيرة جدًا، وإن لو حصل أي تأخير في علاجه ممكن حياته تتعرض لخطر حقيقي.»

نزلت الورقة من إيدي. بصيت لطنط نوال:
— إنتِ كنتِ عارفة؟

هزت راسها بسرعة:
— والله ما كنت أعرف التفاصيل دي.

ليو قال:
— كمّل يا بابا.

رجعت أقرأ:
«في نفس الليلة، حد طلب مني ما أتكلمش. قال لي إن المستشفى هتصلح الموضوع، وإن لو عملت مشكلة هيتقال إن أنا السبب، وإن الموضوع ممكن يتحول لأزمة كبيرة. لكن أنا ما صدقتهمش، ولما هددتهم بإنكار السكوت، قالوا لي إنهم هيأذوا ابني الحقيقي اللي في العناية لو فتحت بوقي بكلمة، وإنهم هيطلعوا اسمي بره القصة خالص لو مشيت بهدوء وتنازلت عن كل حاجة.»

وقفت. مين؟
لكن الجواب كمل ليشرح كيف أجبروها على الاختيار الصعب، وكيف ضحت بوجودها بجانب ابنها لكي تحمي الطفل الآخر وتضمن عدم المساس بابنها الحقيقي وسط تلك الفوضى المفتعلة.

غرقت الغرفة في سكون تام. ليو مد إيده بهدوء ومسح دمعة نزلت على خدي، وقال بصوت دافئ:
— هي ما باعتناش يا بابا… هي ضحت بكل حاجة عشان تحمينا واحنا مش عارفين.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى