
الراجل اللي بالبالطو بص لمحمود وقال بنبرة تجارية بحتة
هي دي الحالات المذكورة؟ الورق جاهز والشيك اتصرف، يادوب نمضي الإقرار.
هنا صرخت.. صرخة هزت أركان المكان
إقرار إيه؟! انتوا بتتكلموا عن إيه؟! محمود افتح الباب ده أنا عاوزة أمشي! عيالي فين؟!
محمود بصلي ببرود قاتل، وطلع من جيبه ملف أصفر، واداه للراجل أبو بالطو وهو بيقوله
دي تقارير من مستشفى خاص تثبت إن عندها نوبات صرع وهلاوس سمعية وبصرية حادة، وشكلها يشكل خطر على نفسها وعلى العيال.. المحكمة مش هتعرف تتكلم في حضانة ولا في مؤخر ولا شبيكة، وأنا كتر خير منسوبي حطيتها في مصحة تحت الرعاية، مش كده ولا إيه يا دكتور؟
الدكتور ابتسم ابتسامة خبيثة وهز رأسه
طبعاً.. العلاج هنا بيحتاج وقت، والتكلفة شاملة الإقامة لحد ما تهش وتبش.. أو لحد ما تغيب عن الوعي خالص.
في اللحظة دي.. الدنيا لفت بيا، وكأن الزمن وقف!
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. محمود مش بس عاوز يطلقني، محمود عاوز يتخلص مني! عاوز يرميني في مصحة أمراض نفسية غير مرخصة، للناس اللي بياخدوا رشاوى عشان يكتبوا تقارير مزورة! عاوز يترمي ليا التهمة إني مجنونة عشان يضمن الحضانة، وياخد الشقة، وياخد مؤخر الصداق وفلوس ورثي اللي كان بيزن عليا أكتبه باسمه!
وفجأة.. شريط حياتي كله أتعرض قدام عيني في ثانية.
افتكرت جدي!
افتكرت نظرته لمحمود لما كان بيجيلي البيت.. جدي اللي قلبه كان حاسس، جدي اللي رغم إن الزهايمر أكل مخه ونسي ابنه ونسي الدنيا، إلا إن حبه ليا ونقاء روحه كانوا أقوى من المرض!
جدي مكانش بيخرف.. جدي بقلب الصالحين كان قاري محمود من أول لحظة! كان شايف الخباثة والغدر اللي ورا الضحكة المزيفة.. كان حاسس إن محمود بيلتبسلي الفخ وبيعزم على حاجة سودة، وكان بيحاول ينقذني بالجملة الوحيدة اللي قلبه قدر يحتفظ بيها لو قالك تعالي معايا.. اهربي ومتروحيش!
يا ريتني سمعت كلامك يا جدي.. يا ريتني ما صدقتهم لما قالوا عليك كبرت وخرفت! أنت كنت الصاحي الوحيد وسطنا، وإحنا اللي كنا مغميين عينينا وعايشين في الغفلة!
صرخت بعالي صوتي وبدأت أفرك وأضرب في محمود
يا خاين! يا نذل! عملتلك إيه عشان تعمل فيا كده؟! ده أنا صنتك وصنت بيتك وعيالي.. تبيعني عشان الفلوس؟! عشان تاخد الشقة وترميني في خانة المجانين؟!
محمود زقني بقسوة في إيد الممرضين الضخام.. الاتنين مسكوني من دراعاتي بقوة كتفتني تماماً.
خلصنا يا دكتور.. أديها أي حقنة تهدّيها، أنا ماش عشان العيال زمانهم قلقوا.
قالها والتهفت عشان يمشي بكل بساطة، كأنه بيرمي قطعة أثاث قديمة مش محتاجها!
الخوف اتأكل جوايا وحل محله غضب أعمى وغل أسرع من البرق. افتكرت إني لو دخلت الأوضة دي، مش هخرج منها حية.. لو اتكتفت هنا، جدي مش هيكون موجود عشان يحميني، وعيالي ضاعوا للأبد تحت إيدين حماتي ومحمود.
الممرض كان بيطلع سرنجة من جيبه وبيفك الغطا بأسنائه.. في لحظة ذهول منهم، استخدمت كل قوتي، وبكل غل ضربت الممرض اللي ماسكني من الشمال برجلي في منطقته الحساسة! الراجل أتسطل وصرف وسابني.. والممرض التاني اتفاجأ، بوعي مجنون مسكت إيده وقطمتها بسناني بأقصى قوة عندي لحد ما الدم جاب من إيده وسابني هو كمان وهو بيصرخ.
جريت!
جريت زي المجنونة.. مش بحس برجلي وهي بتلمس الأرض!
سمعت محمود بيبص وراة وبيصرخ فيهم امسكوها يا غبي منك ليه! هتفضحنا!
الدكتور والممرضين جرو ورايا، ومحمود بيجري ورائهم.. الممر المظلم كان حاساه ملهوش نهاية، بس صوت تحذير جدي كان بيرن في وداني زي الأذان اهربي فوراً!
وصلت للباب الحديد الكسير، كان الراجل البواب واقف بيحاول يقفله لما سمع الصريخ.. قبل ما يلحق يقفله، زقيته بكل قوتي وبجسمي كله، الراجل اترمى على الأرض والباب اتفتح.
طلعت أجري في الشارع المقطوع.. التراب كان بيطير في وشي، وجزمتي اتخلعت من رجلي، بس مشيت حافية على الشلت والأحجار، مكنتش حاسة بأي
ألم.. كان كل همي أبعد عن المبنى الملعون ده.
محمود كان بيجري ورايا وبيتفس بعنف، وصوته يقرب
استني يا هدى! مش هتعرفي تهربي! الممرضين ورايا!
وفجأة.. ربنا لما بيريد نجاة حد، بيسخرله الأسباب.
طلعت على الطريق العمومي، ولقيت عربية نقل بضائع كبيرة هادية وهي داخلة على ملف.. بغير تفكير، رميت نفسي قدام العربية، السواق ضرب فرامل بصوت يرعب والعربية هديت تماماً.
السواق فتح الباب ونزل وهو بيزعق
انتِ جنيّة يا ست انتِ؟! بغيتي تموتي تحت العجل؟!
طلعت أتحايل عليه ونموعي مغرقة وشي وغرقانة في التراب، ومسكت في باب عربيتها
بالله عليك يا أخويا الحقني! بيموتوني! رايحين يخطفوني ويرموني في مصحة! الحقني وحياة عيالك!
السواق بص ورايا، شاف محمود والممرضين جايين بيجروا.. السواق كان ابن بلد وجدع، فهم إن الموضوع فيه إجبار وغدر، صرخ فيا
اركب بسرعة!
نطيت جنبه في الكابينة، والسواق داس بنزين وأخد الملف بأقصى سرعة!
محمود كان بيجري ورا العربية وبيخبط على الصاج وهو بيصرخ هسيريًا هدىىىى! مش هتهربي مني!.. بس العربية سبقت، وسابته وراها وسط التراب وهو بيتضاءل لحد ما اختفى خالص.
انهارت على الكرسي جنبه، عياطي كان مكتوم وصدري بيطلع وينزل بألم رهيب.
السواق بصلي بعطف وقال
ارتاحي يا أختي.. أنتِ في أمان الله دلوقتي.. عاوزة أوديكي فين؟ أوديكي القسم ولا أهلك؟
مسحت دموعي.. ومسحت التراب من على وشي، وفي اللحظة دي حست إن الضعف اللي كان جوايا مات واندفن في المصحة دي.




