
جدي كل ما يجي يزورني يقولي لو جوزك قالك تعالي معايا اهربي ، كنت هتجنن وافهم قصده بس عمره ما جاوبني ، الكل قالولي ده كبر وخرف وانا صدقتهم ، لحد ما فهمت قصده وعرفت انه كان اكتر واحد فاهم وسطنا بس بعد فوات الاوان !!!!
انا علاقتي بجدي كانت اقوى من علاقة اب ببنته .. رغم إنه دخل في التسعين من عمره، ودماغه بدأت تخونه لحد ما بقى ينسى كل اللي حواليه.. حتى بابااللي هو ابنه الوحيدساعات كان يبصله بجمود ويقوله انت مين يا جدع انت؟، لكن العجيب والمدهش إنه عمره ما نسيني، ولا نسى اسمي ولا ملامحي ولا حتى تفصيلة واحدة تخصني.. كان أول ما يشوفني عينيه تنور وابتسامته الصافية تترسم على وشه المليان تجاعيد، وياخدني في حضنه كأني لسه البنوتة الصغيرة اللي كبرت على إيديه.
بعد ما اتجوزت، كان كل فترة يشتاقلي ويخلي بابا يجيبه يزورني في بيتي. بس في الفترة الأخيرة، بدأت تظهر منه تصرفات غريبة جداً.. كل ما يجي عندي، ألاحظ إنه بيقعد يبص لجوزي ونظراته مش طبيعية.. نظرات فيها ريبة والقلق كأنه شايف حاجة إحنا مش شايفينها.
وفي يوم من الأيام، بعد ما قعدوا معانا وخلصت الزيارة، بابا كان بيلف كرسي جدي المتحرك عشان يمشوا.. جدي فجأة مسك في إيدي بشدة، ومال عليا بظهره المنحني، وهمسلي بصوت واطي ومليان قلق
لو جوزك قالك تعالي معايا.. متروحيش معاه.. اهربي فوراً !
أنا وقتها اتسمرت مكاني..ووشي جاب ألوان.. بصيتله باستغراب وقولتله بهمس متوتر
قصدك إيه يا جدي؟ لو قالي نروح فين يعني؟!
ما هو على طول بيتقاللي تعالي معايا.. بنروح عند أهله، بنخرج نتفسح، بنطلع نصيف.. إيه المكان اللي جدي قصده عليه ومرحهوش؟!
قبل ما ألحق أخد منه أي إجابة، كان بابا مسك المقابض بتاعة الكرسي المتحرك وسحبه لبره، وجدي عينيه كانت متثبتة عليا وهو بيبتعد
فضلت طول اليوم الأفكار توديني وتجيبني.. لهجته الخائفة كانت مرعبة. جوزي لاحظ إن بالي مشغول وشارده سألني بابتسامة
مالك يا حبيبتي؟ من ساعة ما جدك مشي وانتِ مش معايا خالص.. فيكي إيه؟
ترددت لحظة، بس حكيتله اللي جدي قالهولي بالنص.. أول ما خلصت كلامي، لقيته ضحك بصوت عالٍ وقال
يا بنتي انتِ بتفكري في كلام راجل عدى التسعين سنة؟! ده مخه خلاص يا حبيبتي كبر وخرف، ساعات ما بيبقاش عارف هو فين أصلا ولا بيكلم مين.. هتاخدي على كلام واحد مش مجمع؟!
كلام جوزي يبان منطقي وعقلاني جداً.. هزيت رأسي وشوفت إن معاه حق، وقولت لنفسي أنا فعلا كبرت الموضوع زياده عن اللزوم، وده مجرد هلاوس كبر سن.
بس الزيارة اللي بعدها.. الموضوع اتكرر!
جدي جه يزورني تاني، وقبل ما يمشي، كرر نفس السيناريو بالحرف.. مسك إيدي، ومال عليا، وهمس بنفس الجملة
لو قالك تعالي معايا.. اهربي ومتروحيش!
المرة دي ماما كانت لسه بتسحب الكرسي بيه عشان يخرجوا، أنا اتجننت.. حطيت إيدي على الكرسي ومنعتها بسرعة وقولتلها بصوت مخنوق
استني يا ماما بالله عليكي.. استني!
وطيت على جدي ومسكت إيديه الاثنين وقولتله بقلق
أبوس إيدك يا جدي فهمي.. انت قصدك إيه؟ مروحش فين؟ جوزي قايلك حاجة؟ شايف منه حاجة؟
لكن جدي فجأة سكت تماماً.. وفضل باصص قدامه ساكت
أمي وأبويا اتنهدوا بحزن وبابا طبطب عليا وقال بنبرة مليانة حسرة
يا بنتي انتي بتتكلمي مع مين …أبويا مبقاش عارفني أنا شخصياً.. هتاخدي على كلام راجل مريض خرف؟ كبري عقلك بقى.
أخدوا الكرسي ومشوا.. وأنا قعدت مكاني مش قادرة أستوعب.
الموقف اتكرر مرة ثالثة ورابعة.. كل ما يشوفني يهمسلي بنفس التحذير، وأنا مع الوقت، ومن كتر كلام أهلي وجوزي، يأست إنه يوضحلي أو يقول كلمة زيادة.. بقيت بطبطب على إيده وأهز رأسي وأقوله بقلة حيلة
حاضر يا جدي.. حاضر، مش هروح متقلقش.
ومع مرور الأيام.. تناسيت، وشيلت الفكرة من رأسي، وأقنعت نفسي تماماً إني كنت بوهِم نفسي بهلاوس راجل مسن، واتأقلمت عادي وعشت حياتي طبيعي جداً.
لحد ما في يوم كنت راجعة من السوق شايلة الشنط وتعبانة، فتحت باب الشقة ولقيت حماتي قاعدة مستنياني.. سلمت عليها بابتسامة، بس لاحظت إن نظراتها مش مريحة، وكان في جو غريب في البيت. بعد لحظات، حماتي وشوشت ابنهااللي هو جوزيوبدأوا يتكلموا مع بعض بصوت واطي جداً، كلام مكتوم ووشوشة وعينيهم بتيجي عليا ويرجعوا يبصوا لبعض.
أنا قولت أدخل أوضتي أغير هدوم السوق وأرتاح شوية ولسه هأدخل الأوضة.. لقيته جوزي بينادي باستعجال
لا يا هدى متغيريش هدومك.. خليكي زي ما انتِ!
لفيت بصيتله باستغراب وقولتله
ليه في إيه؟
رد وهو بيلبس ساعته وبيعدل القميص بسرعة
أنا رايح مشوار مهم دلوقتي حالا، تعالي معايا.. وماما هتقعد هنا تخلي بالها من الأولاد لحد ما نرجع.
الكلمة وترتني.. تعالي معايا!
قلبي انقبض وافتكرت جدي فورا
بصيت لجوزي بقلق وسألته
مشوار إيه ده اللي دلوقتي؟ ورايحين على فين؟
رد بسرع
هقولك على الطريق.. يلا بينا عشان متأخرين.
كمت هرفض بس ملقتش حجه …كل ما اجيب سيرة جدي بيقولو ده راجل خرف ومتاخديش على كلامه.. غير إن حماتي كانت واقفةومكانش ينفع أرفض قدامها من غير سبب واضح.
حماتي قربت مني وقالتلي بابتسامة غريبه
روحي يا حبيبتي مع جوزك ومتقلقيش خالص على العيال.. العيال في عينيا، يلا مع السلامة.
نزلت معاه وطول الطريق وأنا قاعدة جنبه في العربيه بقلق، وكل شوية أسأله إحنا رايحين فين؟ وهو يرد
بإجابات مبهمة ويقولي سيبسها على الله، قربنا نوصل اهو.
ولما العربية وقفت، ونزلنا ووصلنا للمكان..
الدنيا اسودت في وشي، وعرفت الحقيقة وقتها اتمنيت من كل قلبي لو كنت صدقت جدي من أول يوم، ولو كنت فهمت إن الراجل ده مكانش بيخرف ولا حاجة.. ده كان الوحيد فينا اللي شايف الحقيقه بس للأسف.. فهمت بعد ما بقيت جوه الفخ !!!!
نزلت من العربية ورجلي بتترعش، الهواء كان ساقط وتقيل كأنه بيرفض يخليني أتنفس. المكان كان شبه مهجور، طريق مقطوع في أطراف الجيزة، على جنب منه مبنى قديم لافف حواليه سور عالي مصدي، ومفيش أي يافطة توضح ده إيه.
بصيت لجوزي محمود بذهول، لقيته بيعدل لياقته ونظراته اتغيرت تماماً.. الملامح الهادية والضحكة اللي كنت بحبها اختفت، وحل محلها برود يرعب.
إحنا فين يا محمود؟ ده مش مشوار شغل، إيه المكان ده؟!
محمود مسك إيدي بقوة مش طبيعية، قوة حسيت معاها إن عظام صوابعي هتتكسر، وقال بنبرة حادة خاليا من أي رحمة
امشي وأنتِ ساكتة يا هدى.. مش عاوز كلام كتير هنا، الناس مستنيانا جوه.
جرّني وراه، وباب الحديد المصدّي اتفتح صوت يجرّح الودان. أول ما دخلنا المبنى، شميت ريحة مطهرات حادة مخلوطة برطوبة وعفن.. ممر طويل، إضاءته فلورسنت بترمّش وتعمل صوت زنة توتر الأعصاب. وفي آخر الممر، كان واقف راجل ببالطو أبيض، بس شكله يقطع الخلف.. عيونه زايغة وشعره منكوش، وجنبه اتنين ممرضين أجسادهم ضخمة كأنهم مصارعين.




