ديني

لماذا نهى النبي عن التولة؟ وما المقصود بها في الإسلام

يتساءل كثير من المسلمين عن معنى “التولة” التي ورد ذكرها في الأحاديث النبوية الشريفة، ولماذا شدد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في النهي عنها. وتُعد التولة من المصطلحات الشرعية التي قد لا تتوفر معرفتها بشكل عميق لدى البعض في الوقت الحاضر، إلا أنها تمثل مفهوماً مهماً يتعلق بحفظ العقيدة، وصيانة التوحيد، وحماية البيوت والعلاقات الأسرية من الانحراف نحو الخرافات والممارسات غير المشروعة.

 

في هذا المقال المفصل، نستعرض معنى التولة لغة واصطلاحاً، وحكمها في الشريعة الإسلامية، وأسباب النهي عنها، والفرق بينها وبين الوسائل المشروعة لجلب المحودة والسكينة بين الزوجين، وكيف يحصن المسلم نفسه وأهله.

أولاً: ما هي التولة في اللسان الشرعي؟
التولة هي نوع من أنواع السحر أو الأعمال الباطلة التي كان يُعتقد في الجاهلية وببعض المجتمعات القديمة أنها تجعل المرأة محببة إلى زوجها، أو تجعل الرجل متعلقاً بامرأة معينة بشكل غير طبيعي. وقد عرّفها علماء اللغات والشرع بأنها شيء يُصنع أو يُستعمل بقصد جلب المحبة أو العطف بين شخصين بطرق غير مشروعة تعتمد على السحر، أو الاستعانة بالجن، أو التعازيم والطلاسم المجهولة.

وقد ورد ذكر التولة بوضوح في الحديث الشريف الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

“إن الرقى والتمائم والتولة شرك” (رواه أبو داود وابن ماجه).

ويُقصد بالتولة المحظورة في هذا الحديث: كل ما يعتمد على الدجل والخرافات وإيهام الناس بأن هناك قوى خفية قادرة على التأثير في القلوب والمشاعر بمعزل عن إرادة الله عز وجل.

ثانياً: لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التولة؟
لقد حذر الشارع الحكيم من التولة لأسباب عقدية واجتماعية ونفسية بالغة الأهمية، ومن أبرز هذه الأسباب:

التعلق بغير الله ومنافاة التوحيد: إن الاعتقاد بأن شيئاً غير الله تعالى يستطيع جلب النفع أو صرف الضر، أو التأثير الفعلي في القلوب، يقدح في التوحيد الخالص، ولذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه الممارسات بالشرك لما فيها من تعلق بالوسائل الباطلة وترك الخالق سبحانه.

الارتباط بالسحر والدجل: غالباً ما تكون التولة مرتبطة بالاستعانة بالسحرة والمشعوذين والكهنة، وهو باب عظيم للشر والفساد، وقد نهى الإسلام عن إتيان هؤلاء أو تصديقهم لما يترتب عليه من إفساد للأديان والأخلاق.

الاستغلال المادي والنفسي: يلجأ بعض ضعاف النفوس ممن يروجون للتولة إلى استغلال المشكلات العاطفية أو الأسرية للناس، فيقومون بالنصب عليهم وسلب أموالهم بالباطل تحت غطاء “إصلاح الأزواج” أو “جلب المحبة”، مما يوقع الضحايا في خسائر مادية ونفسية فادحة.

تدمير الاستقرار الأسري الحقيقي: الاعتماد على الأوهام والخدع لا يُنتج محبة حقيقية مستدامة، بل يزرع الشكوك والتوترات، ويهدم الأسس السليمة التي تُبنى عليها الحياة الزوجية الناجحة.

ثالثاً: ما الفرق بين التولة والوسائل المشروعة للمحبة؟
الإ الإسلام دين واقعي وعملي؛ فهو لا يمنع الإنسان من السعي لتقوية روابط المحبة والمودة بين الزوجين أو أفراد العائلة، بل يحث على ذلك أشد الحث، ولكن عبر الوسائل المشروعة الطيبة التي تقرب القلوب بالحلال، ومنها:

حسن المعاملة والخلق الحسن: وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الأمثلة في حسن عشرة الأهل، مؤكداً أن خير الناس أخيرهم لأهله.

الكلمة الطيبة والابتسامة: الكلمات اللطيفة والتعبير عن المشاعر النقية تصنع ما لا تصنعه الوسائل المصطنعة.

الهدية والتعاون: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تهادوا تحابوا”، فالهدية البسيطة تُذهب ما في النفوس من كدر.

الدعاء الصادق: لجوء المسلم إلى ربه بأن يصلح له زوجه وذريته، وأن يقذف المودة في قلوبهم.

أما التولة فتختلف جذرياً؛ لأنها تعتمد على أساليب محرمة واعتقادات فاسدة ومستهجنة تهدف للسيطرة على المشاعر بطرق وهمية شيطانية.

رابعاً: الحكم الشرعي التفصيلي للتولة
اتفق علماء الأمة الإسلامية على أن التولة محرمة تحريماً قاطعاً إذا كانت من جنس السحر، أو تضمنت الاستعانة بالجن، أو استخدام الطلاسم والحروف المجهولة، أو الاعتقاد بأنها تؤثر بذاتها وبشكل مستقل عن قدرة الله. وتُعد هذه الممارسات من الكبائر لما تحمله من مظاهر الشرك الأصغر أو الأكبر بحسب اعتقاد الفاعل.

وفي المقابل، فإن التزين والتجمل، واستخدام العطور، وإظهار المودة، والأخذ بالأسباب النفسية والاجتماعية الطبيعية للتقريب بين الزوجين، كلها أمور مشروعة ومطلوبة بل ومأجور عليها المسلم، ولا علاقة لها البطلان والنهي الوارد في التولة.

خامساً: كيف يحمي المسلم نفسه وبيته من السحر والخرافات؟
لكي يقي المسلم نفسه وأسرته من الوقوع في فخ السحر والتولة والخرافات، عليه بالوسائل الإيمانية الحصينة التالية:

التحصن بالأذكار اليومية: المواظبة على أذكار الصباح والمساء، ودخول المنزل، وقراءة آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة.

التعلق بالله وحده: الإيقان التام بأن النفع والضر بيد الله عز وجل وحده، وأن القلوب بين أصابعه يقلبها كيف يشاء.

الابتعاد التام عن الدجالين: عدم ارتياد عيادات المشعوذين، أو متابعة الصفحات والحسابات الوهمية التي تروج لأعمال جلب الحبيب والأحجبة والطلاسم.

نشر ثقافة الحوار والتفاهم الأسري: حل المشكلات الزوجية بالحكمة، والمصارحة، والاحتواء، والاستعانة بأهل الفضل والصلاح عند الحاجة للصلح ضمن الأطر الشرعية الصحيحة.

خاتمة
خلاصة القول إن التولة مفهوم شرعي يحذر من الانزلاق خلف أوهام السحر والدجل بدعوى جلب المحبة. وقد وجهنا الإسلام الحنيف إلى أن استقرار البيوت وسعادة الأسر لا تنال إلا بتقوى الله، وحسن العشرة، والأخلاق الفاضلة، والتوكل على الخالق سبحانه وحده. فالمحبة الحقيقية الناجحة هي التي تُبنى على أساس متين من المودة والرحمة والاحترام المتبادل، بعيداً عن كل ما يخالف الشرع الحنيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى