روايات وقصص

اخت جوزى حكايات زهرة الربيع

النهار طلع، وعينيا مكانتش شافت النوم ولا لحظة. الموبايل ما بطلش رن، أرقام حماتي، وحمايا، وإخوات جوزي التانيين. الصدمة كانت لسه مسيطرة على الكل ومحدش مصدق. حماتي جاتلنا الشقة بعد الفجر بساعتين، دخلت منهارة وبتعيط، مش قادرة تستوعب إن بنتها تعمل حاجة بالبشاعة دي، وكانت جاية وفي نيتها تحاول تدافع عنها أو تقول إننا فاهمين غلط.

أحمد مسك إيد أمه بكل هدوء وكسرة، ودخلها أوضة الأطفال. وراها المفارش الفايبر اللي شاقينها بأيدينا، وشغلها الفيديوهات اللي صورناها للطلاسم والأعمال والأسحار وهي محطوطة في طبق المية بملح والريحة المقرفة طالعة منها. حماتي لما شافت بعينيها والدلائل قدامها، لطمت على وشها وقعدت على الأرض تبكي من قهرة قلبها، وبقت تقول بصوت يقطع القلب: “ليه يا هبة؟! ليه تخربي بيت أخوكي اللي مالوش غيرك؟! ده أنتِ أخت حبيبك اللي كان بيشيل من قووته يديكي!”

أخت جوزي الكبيرة جات هي كمان، ولما شافت اللي حصل وقفت مذهولة وقالتلي: “يا صباح، هبة من فترة كانت متغيرة ودايماً تحقد على عيشتكم، وتفضل تقول ليه صباح مرتاحة وأنا حظي مايل؟ بس عمرنا ما اتخيلنا إن غلها يوصلها للنجاسة دي!”

في الأيام اللي بعد كده، بدأنا نكتشف ونفهم حاجات كتير كانت غايبة عنا. الخناقات والمشاكل اللي كانت بتقوم بيني وبين أحمد فجأة على أسباب تافهة، الضيقة اللي كانت بتيجي لجوزي أول ما يعتب باب الشقة، التعب والوجع اللي كان بيصيب بنتي نور بدون أي سبب طبي.. كل ده كان بسبب السواد اللي كان مدفون تحتنا وأحنا نايمين في أمان الله ومش حاسين.

سبحان الله، كأن الغمامة انزاحت عن بيتنا في ليلة وضحاها. الشقة بقت رايقة، والنفس بقى خفيف، والضحكة رجعت تطلع من القلب بجد مش تمثيل ولا مجاملة. أحمد رزقه اتحسن في شغله، والبركة رجعت تملى المكان من تاني.

هبة حاولت تبعت رسايل واعتذارات، وتحاول تحط التهمة على واحدة صاحبتها إنها هي اللي زقتها وتضحك عليها، بس أحمد عمل لها حظر من كل حتة، وقفل الباب في وش أي حد من العيلة يحاول يوسط نفسه عشان يرجعها. كان موقفه حاسم، اختار بيته وبنته وراحتي، ورفض ينخدع تاني بدموع التماسيح.

عدت شهور وسنين على الليلة دي.. وبقت بالنسبة لي مجرد ذكرى مرعبة بنحمد ربنا كل يوم إنها عدت على خير. نور كبرت وبقت عروسة زي القمر، وأنا اتعلمت الدرس القاسي اللي غير حياتي: بيتك هو سِرّك، مش كل اللي يبتسم في وشك يتمنى لك الخير، والستر والحفظ الحقيقي إنك تقفل بابك عليك، وتحصن بيتك بالقرآن، وتحفظ نعم ربنا بعيد عن عيون الناس.. مهما كانوا قريبين.

مرت السنين كأنها لمحة عين، ونور بنتي اللي كانت زمان عندها 7 سنين وتصحيني مرعوبة، كبرت وبقت عروسة زي الفلقة القمر، ماشاء الله عليها في آخر سنة في الكلية، وربنا رزقها بابن حلال يتقي الله فيها وجاي يطلب إيدها.

اليوم ده، شقتنا كانت مليانة زغاريد ونور. كل حاجة كانت منورة ومرتبة، وريحة البخور المعبك مغرقة الصالة. أحمد جوزي كان واقف وسط الناس فرحان، ودموعه في عينيه مش مصدق إن بنته الصغنونة خلاص هتسيبنا وتبني بيتها.

وفي قمة الفرحة، والناس قاعدين بيقرأوا الفاتحة وصوت الضكك والتهاني مالي المكان.. الباب خبط خبطات واطية ومترددة، كأن اللي واقف برة خايف يضغط على الجرس.

أحمد استأذن وقام يفتح، وأنا عيني راحت وراه بتلقائية.

أول ما فتح الباب، الصوت في الصالة قل بالتدريج لحد ما سكت خالص. واقفة على الباب ست وشها شاحب، باين عليها العجز والمرض كأنها في السبعين من عمرها، هدومها بهتانة وعينيها مطفية ومكسورة تماماً.. مكانتش حد غير هبة!

أحمد اتسمر مكانه، ملامحه اتبدلت من الفرحة للجمود، وصوته طلع ناشف زي الحطب: “خير؟ جاية ليه يا هبة؟”

هبة بصت لأحمد، وبعدين عينيها جرت عليّا وعلى نور وهي لابسة فستان الخطوبة.. وفجأة، ومن غير أي مقدمات، اترميت على ركبها عند باب الشقة قدام المعازيم وأهل العريس، وبقت تبكي بصوت يقطع القلب وتشهق من كثر البكاء: “سامحوني.. وحياة أغلى ما عندكم سامحوني! أنا حياتي اتدمرت يا أحمد.. السحر اللي عملتهولكم انقلب عليا وعلى حياتي، اطلقت، وشغلي راحت، وجسمي أكلته الأمراض اللي الدكاترة مش عارفين لها سبب.. الشيخ قاللي مالكيش علاج ولا شفا غير لما صاحبة الحق تسامحك!”

الصالة كلها اتهزت بالهمس، وأهل العريس بقوا يبصوا لبعض ومش فاهمين حاجة. أنا قلبي اتعصر بين المرارة اللي عشتها زمان وبين منظرها اللي يرحم. نبضات قلبي زادت، بس قومت بثبات، وقفت جنب جوزي وبصيت لها وهي القسوة اللي عملتها فينا زمان راجعة لها أضعاف أضعاف.

أحمد بص لها وجسمه بيترعش من التأثر، بس مسك إيدي وقوّى نفسه وقالها بصوت هادي وعميق هز الأوضة: “الجزاء من جنس العمل يا هبة.. اللي بيحفر حفرة لأخوه بيبات فيها. إحنا ربنا نجا بيتنا برحمته وبطهارة قلب بنتنا، وأنا مش هأذيكي، وربنا هو اللي يتولى حسابك.. بس بيتي ده ملوش عتبة تتطأيها تاني، ولا فرحة بنتي هسمحلك تعكريها.”

أحمد شد الباب بالراحة وقفله في وشها بكل هدوء، ورجع خطوة لورا وتنفس بنفس عميق كأنه بيكتم جرح قديم اتقفل للأبد. تلف ناحية المعازيم، وابتسم ابتسامة راضية وقال بصوت عالي: “يا جماعة.. كملوا قراية الفاتحة، خير ربنا كتير وما بيقطعش.”

الزغاريد رجعت تملى المكان من تاني، وأنا وقفت أصلّي في سري وأحمد ربنا.. عرفت وقتها إن العدل مش بس بيتحقق في الآخرة، ده ساعات ربنا بيرينا حكمة قضاءه في الدنيا عشان نعرف إن الطيب بيعيش مستور، واللي بيبذر الشر ما بيحصدش غير الرماد.

تمت

زهرة الربيع

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى