
مشيت ورا نور على أطراف صوابعي، وقلبي كان بينبض في زوري من الخوف والترقب. الشقة كانت هادية زي القبور، ومفيش غير صوت أنفاسنا الخايفة. وصلنا عند باب أوضة الأطفال، لقيت الباب موارب حتة صغيرة، وفي خيط نور ضعيف طالع من شاشة موبايل هبة.
وقفت ورا الباب ولمحتها من الفتحة الضيقة.. كانت قاعدة على ركبتها على الأرض جنب السرير، ماسكة في إيدها كتر صغير، وبتشق الفايبر بتاع المفرش بكل هدوء وتركيز وكأنها بتعمل عملية جراحية! والأنكى من كده، إيدها التانية كانت ماسكة لفة صغيرة ملفوفة ببلاستر أسود عريض، وبدأت تزق اللفة دي جوة الفتحة اللي عملتها عشان تغرسها في نص الفايبر وتداريها تماماً.
في اللحظة دي، الدم اتجمد في عروقي. إيدي اتمدت لمفتاح النور بدون ما أفكر، وضغطت عليه.
الأوضة اتنورت فجأة، وهبة اتنفضت من مكانها كأن كهربا مسكت فيها! الكتر وقع من إيدها على الأرض، وشها اتقلب زي الميتين، وبقت تبصلي وهي بترتعش وعينيها رايحة جاية في الأوضة.
قربت منها بخطوات متجمعة من الغضب، وصوتي طلع واطي بس يرعب: “بتعملي إيه يا هبة؟ بتشق المفرش بالكتر ليه بالليل؟”
هبة حاولت تتدارك موقفها، شدت الغطا بسرعة تحاول تداري القطع وقالت بصوت متهدج وبيترعش: “إيه يا صباح.. خضيتيني! مفيش.. المفرش كان مفكوك وكنت بحاول أظبطه..”
ما استنيتش أسمع كذبها. هجمت على السرير، زقيتها بإيدي بكل قوتي ومديت إيدي جوة الفتحة الطازة اللي لسه شقاها. صوابعي خبطت في اللفة الناشفة، سحبتها بقوة وطلعتها لشعاع النور.
فكيت البلاستر الأسود بإيد بتترعش.. وظهرت الكارثة. ورقة مطوية ممسوحة بزيوت ريحتها تقرف، مكتوب فيها طلاسم ورموز غريبة، ومعاها دبابيس متقاطعة وخصلة شعر ملفوفة بفتلة سودا!
بصيت للورقة وبعدين بصيت لهبة اللي كانت واقفة متسمرة مكانها، الصدمة والقهرة اتعجنوا في قلبي، وصرخت فيها بصوت مكتوم عشان نور متترعبش: “أعمال؟! بتعمليلي أعمال وسحر في بيتي؟! بتدخلي بيتي عشان تدفنيلي السحر جوة مفارش السرير اللي بنام وبنتي بتنام عليها؟!”
هبة اتلجلجت ودموعها نزلت من الخوف: “والله يا صباح مش قصدي أذيكي.. دي.. دي حاجة معمولالكم عشان نوقف الحال وتتخانقوا أنتِ وأخويا.. أنا كنت غيرانة من عيشتكم وقسماً بالله شيطان ودخل بيننا!”
ما سبتهاش تكمل. المسافة بيني وبينها اختفت في ثانية، مسكتها من جلابيتها وبدأت أجرها ورايا بقوة غريبة عمري ما عرفت إنها عندي. هبة كانت بتحاول تفك إيدي وتصرخ، بس أنا كنت زي المجنونة. سحبتها من الأوضة، وعديت بيها الصالة، وفتحت باب الشقة وبكل ما فيا من غل زقيتها برة على السلم!
وقعت على السلم، نزلت جاري على الأوضة، لمت شنطتها وجزمتها ورميتهم وراها على السلم، وصرخت في وشها وأنا بتهز: “لو رجلك عتبت الشارع ده تاني هكون قتلاكي! برة بيتي يا خاينة يا زبالة!”
صوت الزعيق ورزع الباب صحى جوزي من أحلى نومة. طلع يجري من الأوضة وهو مش فاهم حاجة وشعره منكوش ووشه أصفر: “في إيه يا صباح؟! إيه الصوت ده؟! وهبة فين؟!”
رميت في وشه المفرش المقطوع واللففة الملفوفة بالأعمال اللي طلعتها منه، وقلتله بصوت حاسم بيترعش من القهرة: “أختك اللي كانت بتدخل بيتنا وتاكل معانا، كانت بتشق مفارش الأسرة بالكتر كل مرة تيجي فيها عشان تدفنلنا أعمال وسحر أسود جوة الفايبر! ادخل شوف أختك حبيبتك كانت بتعمل إيه في حق مراتك وبنتك!”
جوزي مسك الورقة والبلاستر الأسود، ووشه اتغير تماماً.. بص للمفرش المقطوع وللأعمال، وبصلي وهو مش قادر ينطق كلمة واحدة من الصدمة والكسفة. قفلت الباب بالترباس، وقفت أنا ونور في نص الصالة، ولأول مرة من 8 سنين أحس إن البيت نضف، وإن السر المرعب اللي كان بيتكرر تحت سقفنا اتكشف وانتهى للأبد.
جوزي قعد على الكنبة في الصالة، دراعاته انهدت والأعمال وقعت من إيده على السجادة. بصلي بعيون مليانة دموع وكسرة نفس، وصوته طالع مخنوق: “هبة أختي تعمل فينا كده؟! ده أنا عمري ما قصرت معاها في حاجة.. ده أنا كنت بعتبرها بنتي مش أختي!”
قلتله بنبرة حادة ومرارة طالعة من قاع قلبي: “الغل لما يدخل القلوب بيعمي العيون يا أحمد.. قوم معايا، قوم نشوف الخراب اللي سابته في بيتنا طول الخمس مرات اللي باتت فيهم!”
أحمد قام معايا زي المسلوب، جاب كتر ومقص ودخلنا أوضة الأطفال، ونور كانت ماسكة في جلابيتي من الخوف. مسكنا المفارش الفايبر القديمة اللي كنت أصحى ألاقي فيها القطوع وأفتكرها دايبة.. فتحنا الفايبر من جوة، وبدأنا ندور في قلب المرتبة نفسها.. وكانت الصدمة اللي تجنن! طلّعنا من كل مفرش قديماً باتت فيه، أعمال وطلاسم متغلفة بنفس البلاستر الأسود ومغروزة في العصب بتاع الفايبر عشان محدش يلمسها! أربع أعمال تانيين غير اللي مسكتها بتدفنه بنفسها!
أحمد مسك دماغه بإيديه الاثنين وقعد في الأرض يبكي بحرقة وصوت عالي، مش مصدق حجم السواد والغل اللي كان عايش معانا وبياكل في طباقنا ومغطي بضحكة مزيفة. نزل جاري على السلم يدوّر عليها في الشارع زي المجنون، بس كانت فص ملح وذاب وهربت في ضلمة الليل كأنها شياطين بتتغز في الضلمة.
رجع الشقة مسك تليفونه، وبأعلى صوت عنده رن على العيلة كلها في نص الليل، كشف حقيقتها قدام أبوه وأمه وإخواته، وصور الأوراق والطلاسم وبعتهالهم على الجروب بتاعهم، وحلف يمين طلاق إن هبة دي اتبرأ منها ليوم الدين، ولو رجلتها عتبت مدخل العمارة هيقتلها.
مع أذان الفجر، صوت الشرايين اللي بتتعدل والسكينة بدأت ترجع للبيت. شغلنا سورة البقرة بصوت عالي في الأوض كلها، وحطينا الورق والطلاسم دي في مية بملح زي ما الشيخ قالنا الصبح عشان نفك السحر ونبطله تماماً.
مسكت بنتي نور وحضنتها بكل قوتي وعيني بتدمع.. البنت الصغيرة دي ربنا سخرها في اللحظة دي بالذات عشان تصحيني وتنقذ بيتنا وجوزي وحياتنا من خراب محقق كان هيقضي علينا. ومن اليوم ده، باب شقتنا اتقفل بالضبة والمفتاح، وعرفت إن مش كل اللي يبتسم في وشك ويقولك يا حبيبتي يبقى بيحبك، وأن في أقارب القرب منهم سم قاتل، والستر والأمان إن سر بيتك ما يخرجش بره عتبة بابك أياً كانت الأسباب.




