قصص و روايات

حماتي مكنشي معاها

وبعدين حاولت تقول حاجة تانية، لكنها ما قدرتش.

إيدها ارتخت في إيدي.

وعينيها اتقفلت بهدوء.

فضلت جنبها وأنا مش قادرة أستوعب اللي حصل.

بعد شوية، وصل أولادها التانيين.

بكاء، مكالمات تليفونات، وجيران داخلين وطالعين.

وفي وسط ما كنا بنفضّي أوضتها، واحد من إخوات جوزي مسك المخدة القديمة عشان يرميها في كيس الزبالة.

من غير ما أفكر، خطفتها من إيده.

“مش دي.”

بصتلي مرات أخو جوزي باستهزاء وقالت:

“إنتِ عايزة تعملي إيه بالمخدة القديمة دي؟ دي مقطعة ومبهدلة.”

ما عرفت أقول إيه.

كل اللي عملته إني حضنتها جامد على صدري.

لأن دي كانت آخر كلمات فيونا قالتها لي.

ولأنها سابتها ليا.

ولأنها، رغم إنها كانت قديمة ومبقعة وشبه متهالكة، جمعت آخر طاقتها عشان تقول اسمي وتوصيني بيها.

الليلة دي، وأنا لوحدي في المطبخ، حطيت المخدة على الترابيزة.

القماش كان مفتوح ومقطوع من ناحية، وريش إوز قديم كان باين منه.

كانت ريحتها خليط من كرات طرد العتة، ومرهم اللافندر، وريحة السنين.

فكرت يمكن تكون مجرد حركة عملتها وهي مش واعية، أو وداع مالوش معنى.

وكنت خلاص هحطها على جنب في دولاب.

لكن وأنا بدخل إيدي من الفتحة المقطوعة عشان أظبط الحشو اللي جواها، صوابعي لمست حاجة مدفونة عميق وسط الحشو.

حاجة صلبة.

صغيرة…

ومربعة تقريبًا.

سحبت إيدي بسرعة كأني لمست نار.

فضلت باصة للمخدة ثواني، وقلبي بيخبط بقوة.

حاولت أقنع نفسي إنها يمكن تكون زرار قديم، أو قطعة معدن اتعلقت في الحشو بالصدفة.

لكن لأ.

الحاجة كانت مدفونة بعمق، ومتغلفة بحاجة ناعمة.

قربت المخدة مني تاني، ودخلت إيدي بحذر أكبر.

صوابعي اتحركت وسط الريش القديم لحد ما مسكت الشيء الغريب.

وشديته ببطء.

طلع في إيدي كيس قماش صغير جدًا، لونه بني غامق، ومربوط بخيط أبيض باهت.

وقفت مكاني.

الكيس كان تقيل بشكل غريب.

فتحت الخيط.

وأول حاجة وقعت في كف إيدي كانت…

مفتاح.

مفتاح صغير وقديم، لونه نحاسي، وعلى رأسه رقم محفور:

17

وتحته كانت فيه ورقة مطوية بعناية.

إيدي بدأت ترتعش.

فتحت الورقة، ولقيت خط حماتي المتعرج، اللي كنت عارفاه كويس من أيام ما كانت لسه قادرة تمسك القلم:

“لو وصلتي لحد هنا، يبقى أنا خلاص مش موجودة. متقوليش لحد على المفتاح… خصوصًا قبل ما تعرفي هو بيفتح إيه.”

حسيت ببرودة سرت في ضهري.

“خصوصًا قبل ما تعرفي هو بيفتح إيه؟”

إيه اللي كانت فيونا مخبياه كل السنين دي؟

قلبت الورقة بسرعة.

ما كانش فيها غير سطر واحد تاني:

“اسألي عن الحظيرة القديمة… عند نهاية طريق ميلر.”

شهقت.

طريق ميلر؟

الاسم ده ما سمعتوش من سنين.

كان طريق ترابي بعيد عن بيتنا، ناحية الأراضي الزراعية القديمة اللي كانت حماتي بتشتغل فيها وهي صغيرة.

كنت فاكرة إنها باعت كل حاجة ليها علاقة بالمكان بعد ما جوزها رحل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى