
أبويا قعد على أقرب كرسي، وحط إيده على قلبه وهو بيلهث. أمي قعدت في الأرض بتلطم على خدودها وبتبكي بكسرة. عيال أختي التلاتة كانوا واقفين في الصالة بيعيطوا بهستيريا ومش فاهمين حاجة.
أمي بصتلي بعيون مليانة دموع وغل في نفس الوقت، وقالتلي بصوت مجروح:
“مرتاحة دلوقت؟ شمتانة فيها؟ إنتي اللي جيبتي لها الأذى بوشك الشوم! من يوم ما دخلتي البيت بفقرك وعياطك والبيت اتخرب!”
بصيت لأمي، ولأول مرة في حياتي ما أحسش بالذنب ولا بالخوف من غضبها. بصيت لها بمنتهى الجفاء وقلت:
“أنا اللي خربت البيت يا أمي؟ ولا الفلوس الحرام اللي كنتوا بتاكلوا منها وبتباركوا صاحبها؟ أنا اللي بقالي أشهر بطحن نفسي عشان أجيب أكل حلال لعيالي ولكم، وأنتم شايلين أكياس الفلوس تحت السرير وتخلوا أختي تتفشخر عليا وعلى ولادي وتذلهم بالدليفري؟”
أبويا رفع رأسه بصعوبة، وصوته كان متهدج:
“خلاص يا بنتي… خلاص. أبوكي اتقطم ظهره خلاص… ما تذبحونيش أكتر من كده.”
التفت لعيال أختي، كانوا خايفين ومرعوبين. رغم كل اللي عملته أختي، العيال مالهمش ذنب. قربت منهم، أخدتهم في حضني، وقلت لولادي:
“خدوا ولاد خالتكم جوه… هاتي يا بنتي الجبنة والعيش اللي فاضلين واقسموهم مع بعض.”
دخلت أوضتي، ولميت هدومي وهدوم ولادي في الشنط. كل حتة قماش وكل كتاب لولادي حطيته بصرامة.
أمي دخلت الأوضة وشافت الشنط، وشهقتها عليت:
“إنتي بتعملي إيه؟ رايحة فين في نص الليل كده؟ هتسيبيني أنا وأبوكي في ظروفنا دي؟ ومين هيصرف على البيت وعلى عيال أختك اللي مرميين دول؟”
وقفت ورفعت شنطتي، وبصيت لأمي بثبات صلب:
“أنا أديتكم كل اللي أقدر عليه… أديتكم صحتي ومرتبي وحبي واكتشفت إني مجرد ‘شغالة بفلوسها’ بتغطي على الوساخة اللي في البيت. عيال أختي هاخد بالي من أكلهم وشربهم طالما هما في رقبتكم، بس أنا ولادي مش هيعيشوا ثانية واحدة في بيت ماليان كذب وحرام.”
أبويا قام وقفل الباب بجسمه وهو بيبكي:
“عشان خاطري يا بنتي… لو مشيتي دلوقت، الناس هتاكل وشنا، وأنا مش هتحمل النظرات.”
بصيت لأبويا وقلت له بوجع:
“إنت اللي اخترت تسكت يا بابا… وإنت اللي رضيت إن أختي تذل ولادي باللقمة. خايف من كلام الناس، وما خفتش من ربنا وإنت شايفني باتعصر كل شهر عشان أوفي طلباتكم؟”
زقيت الباب بالراحة، وخرجت أنا وولادي في ضلمة الليل، وأنا مش عارفة هروح فين، ولا معايا فلوس تكفي أجر شقة، ومعايا خمس عيال (ولادي وتلاتة عيال أختي اللي اضطريت أخد إيدهم معايا لأني ما قدرتش أسيبهم
خرجت للشارع وأنا مسكينة، بس المرة دي… كانت دماغي مرفوعة لأول مرة من سنين.
مشيت في الشارع والليل كاحل، الهواء البارد بيخبط في وشوشنا، وخمس عيال ماشيين ورايا زي الكتاكيت الخايفة. ولادي التلاتة شايلين شنطهم الصغيرة، وعيال أختي التلاتة ماسكين في طرف عبايتي وبيعيطوا بصوت مكتوم. كنت حاسة إن خطاي ثقيلة، لكن المرة دي ثقل شرف، مش ثقل ذل وكسرة.
ابني الكبير قرب مني وشد إيدي بصوت يترعش:
“ماما… إحنا رايحين فين؟ الشارع ضلمة أوي، وأنا خايف.”
بصيت له وابتسمت ابتسامة بألم، لكن فيها قوة ما عرفش جابتيها منين:
“ما تخافش يا حبيبي… طول ما بنآكل حلال وبنتقي ربنا، ربنا مش هيضيعنا. تعالوا معايا.”
ما كانش قدامي غير وجهة واحدة؛ “أم أمل”… ست كبيرة جارتنا القديمة من أيام ما كنت متجوزة، ست طيبة وساكنة لوحدها في بيت صغير على قدها، وكانت ديماً بتعزني وتعتبرني زي بنتها.
خبطت على بابها الساعة واحدة بعد نص الليل. لما فتحت وشافتني بالشنط والعيال دول كلهم، شهقت وحطت إيدها على صدرها:
“يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! إيه ده يا بنتي؟ إيه اللي خرجكم في الوقت ده؟”
دخلتنا فوراً، وقفت المطبخ عملت شاي وعيش وجبنة للعيال اللي أكلوا بنهم غريب، وكانوا محرومين. بعد ما العيال ناموا من التعب على الكنب وفي الصالة، قعدت معاها وحكيت لها كل حاجة بالدموع… من أول القرش الحرام، لحد الضابط ما أخد أختي، وموقفي مع أبويا وأمي.
أم أمل طبت على صدرها بحزن وقالت:
“يا ساتر يا رب! الحرام عمره ما يبني بيت يا بنتي، وحبل الكذب قصير… الحمد لله إن ربنا كشف لك كل حاجة قبل ما تتورطي أو تجيبوا لنفسكم مصيبة. بس يا بنتي إنتي حملك تقيل أوي… ست عيال بمرتب مدرسة؟ هتكفي منين أكل وشرب ومصاريف نيابة ومحامين لأختك؟”
قلت لها بعين ناشفة:
“المحامين والمصاريف دي مش بتاعتي يا خالتي… أختي وأبويا يتدبروا فيها من الفلوس اللي كانت مستخبية. أنا كل اللي يلزمك إني أجر منك الأوضة الصغيرين اللي في الملاية فوق السطوح، وأدفع لك أجرها كل أول شهر من مرتبي، لحد ما ربنا يفرجها وألاقي شقة أجرها هادي.”
الست رفضت تاخد مني جنيه في الأول، لكن بالتحايل والإصرار وافقت، وصعدت أنا والعيال فوق السطوح. الأوضة كانت صغيرة وشمسها دافية، بس كانت بمليون قصر… لأن اللقمة فيها كانت مغسولة بتعبي وعرقي.
تاني يوم الصبح، نزلت المدرسه وأنا مطبقة ما نمتش. في الاستراحة، زميلتي “ناهد” شافت وشي أصفر وعيني منفخة، سألتني بدموعها:




