Uncategorized

روحت اعيش في بيت ابويا

وأنا عارفة إنها من الصبح ما كلتش غير سندوتش جبنة.

في الليلة دي… قررت آخد قرار.

قلت لنفسي: “خلاص… من أول الشهر الجاي، كل واحد يشيل نفسه.”

لكن اللي حصل بعدها… مكنش في بالي ولا في بال أي حد.

تاني يوم الصبح… وأنا خارجة الشغل…

سمعت أختي بتقول لماما بصوت واطي، وهي فاكراني خرجت:

“سيبيها تتعب وتصرف… هي معاها مرتب، وإحنا أولى بفلوسها.”

اتجمدت مكاني…

لكن الصدمة الحقيقية… ما كانتش كلام أختي.

الصدمة كانت في رد أبويا…

الرد اللي خلاني أحس إن كل اللي كنت بعمله السنين دي كان مبني على سر كبير… ولو اتكشف، عمر علاقتنا كلها ما هترجع زي الأول.

 

وقف الزمان بي لحظتها، والدم اتجمد في عروقي. كنت ماسكة أكرة الباب، وإيدي بتترعش، مش قادرة أتحرك ولا حتى أتنفس. كان عندي أمل أسمع بابا بيرد عليها، يزجرها، يقولها: “عيب دي أختك وشايلانا كلنا”… لكن اللي طلع من بوق بابا هدّ كل أوهامي في ثانية واحدة.

سمعت بابا بياخد نفسه بتعب وبيقول لأختي بأسى:

“سبيها يا بنتي… ربنا يعينها. بس مش عشان معاها مرتب… عشان دي فلوس حلال، ومش عاوزين نجيب لنفسنا ولا لعيالنا مصاريف من القرش الحرام اللي أختك ما تعرفش عنه حاجة!”

أختي ردت عليه باستخفاف:

“حرام إيه يا بابا بس؟ هو جوزي لما بيحول الفلوس بيسرقها؟ ما هو تعبان في الغربة!”

بابا صوته علي شوية وهو بيحاول يكتم غضبه:

“لا يا هدى… جوزك مش بيشتغل في الغربة! جوزك محبوس في قضية نصب كبيرة من ست شهور، والفلوس اللي بيبعتهالك دي فلوس ناس اتنصب عليهم ومظلومين! أنا ساكت ومخبي عشان أستر عليكي وعلى عيالك وما أكسرش قلبك، وبقول لأختك تصرف عشان اللقمة اللي تخش بطن عيالك وعيالها تبقى من شقا مدرسة حلال… مش من فلوس حرام!”

الكلام نزل عليا زي الصاعقة. عقلي ما كانش قادر يستوعب اللي بيمر عليا. جوز أختي مش مسافر؟ محبوس في قضية نصب؟ والفلوس اللي بتطلب بيها دليفري وتتفشخر بيها قدام ولادي… فلوس حرام؟ والأدهى إن بابا وأمي عارفين ومخبيين عليا، واستغلوا سكاتي وجدعتني وشهامتي عشان أكون أنا الشماعة اللي تشيل البيت كله، وأنا فاكرة إن بيتي وسندي بيحميني!

أمي اتدخلت بصوت خايف:

“وطي صوتك يا حاج! لو البت سمعت ولا حد من الجيران عرف… فضيحتنا هتبقى بجلاجل! سيبها تصرف وتطحن نفسها في الشغل… هي مطلقة وملاذها الوحيد البيت ده، مش هتطفش يعني ولا هتسيب ولادها يجوعوا، أهي شايلة البيت وموفرة علينا ونفس الوقت بناكل من حلالها.”

دموعي نزلت في صمت رهيب، دموع قهر ومش استسلام. الفكرة إنهم مش بس كانوا بيستغلوني مادياً، دول كانوا بيستغلوا طيبتي وكسرة نفسي بعد الطلاق، وبيتعاملوا معايا على إني “مجبرة” أتحمل وأدفع التمن عشان أعيش تحت سقفهم!

ما دخلتش الأوضة، ولا واجهتهم في اللحظة دي. خرجت من البيت ورحت مدرستي وأنا مش شايفة قدامي. طول النهار والطباشير في إيدي وأنا بتكلم مع الطلاب، عقلي بيعيد ويتكلم في التفاصيل. افتكرت نظر أختي ليا وهي بتقول “هو أنا قاعدة عندك؟”، وافتكرت بنتي وهي بتقولي “أنا مش جعانة”، وافتكرت طرد زوجي ليا ويومه لما قال “روحي لبيت أبويكي شوفيهم هيشيلوكي إزاي!”.

رجعت البيت الساعة أربعة العصر، المرة دي مش محملة بأكياس الخضار واللحمة والفاكهة زي كل يوم. دخلت وإيدي فاضية تماماً.

أمي أول ما شافتني دخلت المطبخ بتبص في إيدي واستغربت، وقالتلي بلهجة فيها حدة مخفية:

“إيه ده يا بنتي؟ فين طلبات الغدا؟ الساعة بقت أربعة وأختك وعيالها زيك راجعين جيعانين!”

بصيت لأمي في عينها بثبات غريب، لأول مرة أقف قدامها بالجمود ده، وقلت بصوت هادي ومسموع للبيت كله:

“ما فيش غدا النهاردة يا أمي.”

أختي خرجت من أوضتها وهي ماسكة تليفونها وبتبصلي باستعلاء:

“يعني إيه ما فيش غدا؟ إحنا هناكل إيه؟ ولا هنفضل قاعدين جنب ولادك يستنوا رغيفين عيش ناشفين؟”

التفت ليها وقلت بمنتهى البرود:

“اطلبي دليفري يا هدى… اطلبي بيتزا وفراخ وبرجر زي كل يوم… بس المرة دي اطلبي لولادي معاكي، أو هاتي من الفلوس اللي مع العيال، أصل أنا مرتب الشهر ده خلص… ومعنديش استعداد أدفع قرش واحد زيادة!”

بابا خرج من أودته على صوتنا، وبصلي بقلة حيلة وهو مش عارف أنا سمعت إيه، وقال:

“يا بنتي استهدي بالله… أختك ضيفة عندنا كام يوم.”

رديت عليه وأنا ببتسم ابتسامة مكسورة:

“ضيفة يا بابا؟ الضيف بيقعد يومين، مش بييجي بفلوس ما يعلم بيها إلا ربنا ويقعد يكسر في نفوس ولادي ويخليهم يبصوا للقمة! من النهاردة يا بابا… أنا هجيب أكلي وأكل ولادي بس، وعلى قد مرتب المدرسة. مش هكون حمل على حد، بس كمان مش هكون مغفلة!”

هدى وشها اتغير وأحمر، وبصت لبابا بخوف وقالت:

“هي… هي سمعت حاجة؟”

قلت لها بعين قوية:

“سمعت كل حاجة يا هدى. سمعت عن جوزك ‘المسافر’، وسمعت عن الفلوس الحرام، وسمعت كلام أمي وهي بتقول ‘سيبوها تطحن نفسها ما هي ملهاش غيرنا’!”

البيت كله سكت. السكون كان يرعب. أمي حطت إيدها على بؤها، وبابا وطى راسه في الأرض مش قادر يحط عينه في عيني.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى