
أمر أحمد أفراد القوة بإيقاف تشغيل صفارة الإنذار قبل دخول الحارة حفاظاً على الهدوء، وحتى لا تتسبب أي حركة غير محسوبة في إزعاج أهل البيت. توقفت سيارات الشرطة عند مدخل الحارة وترجل الجميع على قدميهم بهدوء تام. كان البيت مقصوداً، قديماً، بابه الخشب متهالكاً، وجنبه على الجدار الخارجي شخابيط أطفال مرسومة بالطباشير الملون؛ رسمة شمس، وقلب مقسوم نصين.
اللحظة الحاسمة واكتشاف الباب المغلق
اقترب أحمد من الباب بخطوات بالغة الحذر. كان شيش النافذة المطلة على الشارع موارباً ببضع سنتيمترات، ومن خلال تلك الفتحة الضيقة، لمح أحمد فردة شراب صغيرة لطفلة تحمل رسومات شخصية كرتونية مرمية على الأرض، وتليها ظلمة داخل الغرفة. رفع أحمد يده مستعداً للطرق، وفجأة اهتز شيش النافذة بحركة خفيفة؛ ظهرت عين واحدة صغيرة، واسعة، تملؤها الدموع، وحدقت في أحمد لثانية واحدة معدودة قبل أن تختفي سريعاً في ظلام الرواق الداخلي للشقة.
فضل أحمد الثبات مكانه للحظات قليلة بعد اختفاء العين. القلب المرسوم بالطباشير، فردة الشراب الصغيرة، والهمسة المرتجفة في التسجيل، كلها أدلة أكدت أهمية الاطمئنان على الطفلة. أشار أحمد للعسكري المرافق له بالثبات، واقترب من باب الشقة ليطرق خبطتين خفيفتين ومتزنتين، منادياً بصوت حازم: “يا أهل البيت افتحوا، شرطة.”
لم يأتِ أي رد مباشر من الداخل، بل سمع صوت خطوات خفيفة ومكتومة تتجه نحو الداخل. أدرك أحمد ضرورة الدخول السريع للاطمئنان، فالتفت إلى العسكري وقال: “افتح الباب.” تقدم العسكري وفتحه بحذر، لتنبعث من الداخل رائحة غريبة؛ رائحة رطوبة مقفولة ومطهرات، كأن أحدهم كان يقوم بتنظيف المكان بشكل مبالغ فيه.
دخول الشقة والوصول إلى الطفلة
تخللت القوة المكان بسرعة. كانت الصالة مظلمة تماماً رغم سطوع الشمس في الخارج، والستائر مغلقة بإحكام، والتليفزيون يعمل على عرض برامج أطفال بصوت مرتفع. على أريكة الصالة، كان يجلس رجل نحيل الجسم، يرتدي ملابس منزلية بسيطة. فزع الرجل فور رؤيته لرجال الشرطة، لكنه حاول التماسك وسأل بعصبية: “في إيه يا باشا؟!”
نظر أحمد إليه بعينين حادتين وقال بنبرة صارمة: “فين البنت؟” رمش الرجل بارتباك وأجاب: “بنت مين؟” في تلك اللحظة بالضبط، صدر صوت خبط خفيف ومتتالي من نهاية الرواق الداخلي للشقة: “تك تك تك.” تحرك أحمد فوراً نحو مصدر الصوت. حاول الرجل النهوض والاعتراض قائلاً: “استنى بس حضرتك..”، لكن العسكري منعه بحزم.
جرى أحمد حتى نهاية الرواق، ووجد باب غرفة مغلقاً. وبمجرد أن فتح الباب، وجد الغرفة صغيرة للغاية، وشباكها مغلق بخشبة سميكة مثبتة من الخارج، وجدرانها مغطاة بالكامل بشخابيط ورسومات أطفال عشوائية. في ركن السرير، كانت ليلى جالسة، طفلة صغيرة لا تتجاوز سبع سنوات من العمر، تحضن ساقيها إلى صدرها بقوة، شعرها منكوش، وفي حضنها عروسة قماشة قديمة. أول ما وقعت عينا الطفلة على أحمد، اتكمشت في نفسها أكثر وهمست بنفس النبرة المرعوبة: “أنا كنت شاطرة والله.”
الدعم والمساعدة الطبية والاجتماعية
اقترب منها أحمد ببطء بالغ، وخلع سترته ليغطي بها كتفيها الصغيرين، وقال بحنان أبوي صادق: “محدش هيزعقلك يا حبيبتي.” نظرت إليه الطفلة بعينين يملؤهما الخوف وقالت: “هو هيضربني؟” شعر أحمد بتعاطف شديد وأجابها بثبات: “لأ.. محدش هيقربلك تاني أبداً.”
تولى رجال الأمن التعامل مع الموقف وفقاً للإجراءات القانونية المتبعة، وتم التحفظ على الشخص المسؤول للتحقيق معه ومعرفة الأسباب والدوافع وراء هذا التصرف غير الإنساني بحرمان الطفلة من حريتها والرعاية السليمة.
نُقلت ليلى فوراً إلى إحدى المؤسسات الطبية والنفسية المتخصصة لتلقي الرعاية الشاملة والدعم النفسي اللازم للتعافي من آثار التجربة القاسية التي مرّت بها. وبفضل المتابعة المستمرة من الأخصائيين، بدأت الطفلة تستعيد شعورها بالأمان والاستقرار تدريجياً.
بعد عدة أشهر، كان أحمد يزور دار الرعاية التي تقيم فيها ليلى للاطمئنان على حالتها. وجدها جالسة بمفردها تمسك ألوانها وترسم بحرية. اقترب منها بابتسامة دافئة وقال: “بترسمي إيه يا ليلى؟” أراحت الطفلة الورقة أمامه لتظهر رسمة لبيت كبير، تملؤه الشمس الساطعة، وبنت صغيرة تقف في الحديقة الفسيحة بلا شبابيك مغلقة وبلا قيود. ابتسم أحمد من أعماق قلبه وقال لها بصوت مشجع: “رسمة حلوة قوي.” نظرت إليه الطفلة وسألته ببراءة: “هو الأيام الصعبة بتعدي يا عمو؟”
سكت أحمد لثوانٍ معدودة، ثم أجابها بهدوء ويقين: “أه يا ليلى.. بتعدي، وبيجي بعدها دايماً بكرة أحمل وأجمل.” والمرة دي، بدأت حياة ليلى الجديدة بمكالمة همس شجاعة لم يتوقع أحد أن تملك القدرة على تغيير مصيرها للأبد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




