قصص و روايات

ظهرت بأطفاله الثلاثة

وفي اليوم نفسه، أعلنت عائلة العنود فسخ الارتباط رسميًا، وإنهاء جميع الشراكات المرتبطة.
أما داخل القصر، فكانت المواجهة الحقيقية قد بدأت.
دخل راشد مكتب والدته بانفعال للمرة الأولى في حياته.
“أخبريني أن هذا غير صحيح.”
جلست الشيخة حصة خلف مكتبها بصمت متوتر.
“كنت أحميك.”
ضحك بمرارة.
“حميتِني؟ أم أضعتِ سنوات من حياتي؟”
حاولت الاقتراب منه، لكنه ابتعد فورًا.
“أخبرتِني أنها خانتني.”
“لأنها لم تكن مناسبة لنا!”
خرجت كلماتها أخيرًا.
ثم تابعت بصوت مرتجف:
“كنت ستدمر اسم العائلة من أجل فتاة لا تملك شيئًا!”
نظر إليها راشد طويلًا.
ولأول مرة في حياته لم يرَ فيها والدته.
بل امرأة مستعدة لفعل أي شيء كي لا تفقد سيطرتها.
في المقابل، كانت دانة تجلس داخل مكتبها الزجاجي المطل على دبي، تراقب الأخبار بصمت.
لم تعد تلك المرأة الضعيفة التي غادرت الإمارات قبل سنوات.
خلال فترة اختفائها، تنقلت بين لندن وسنغافورة، وعملت داخل صندوق استثماري خليجي ضخم، قبل أن تؤسس شركتها الخاصة لاحقًا.
ومع تراجع بعض الشركات ماليًا، بدأت البنوك ببيع الديون المتعثرة بخسائر كبيرة.
وكانت دانة هناك.
تشتري.
بهدوء.
وبدون أن تعرف العائلة من يقف خلف الصفقات.
حتى أصبحت تملك الحصة الأكبر من ديونهم.
دخل مساعدها إلى المكتب وقال بهدوء:
“تم تأكيد آخر عملية تحويل.”
رفعت عينيها نحوه.
“والقصر؟”
“مرهون بالكامل.”
ساد الصمت للحظة.
ثم ابتسمت دانة ابتسامة خافتة حزينة أكثر مما هي منتصرة.
لم تكن تتخيل يومًا أن تصل الأمور إلى هنا.
هي لم تعد لترد الأذى فقط.
بل لتستعيد حق أطفالها في الوجود.
بعد أسبوع، حاول راشد رؤية الأطفال.
وقف أمام منزل دانة مترددًا كغريب.
وعندما فتحت الباب، نظر إليها طويلًا دون كلام.
ثم قال أخيرًا:
“أرجوك لا تحرميني منهم.”
أجابته ببرود مؤلم:
“أنت والدهم بالدم فقط.”
ثم أضافت:
“أما الحياة التي عاشوها، فلم تكن جزءًا منها.”
خفض رأسه للحظة.
ثم همس:
“كنت أبحث عنكِ.”
نظرت إليه طويلًا.
“لكن ليس بما يكفي.”
أغلقت الباب ببطء.
وتركت راشد واقفًا وحده أمام المنزل، يواجه للمرة الأولى حجم السنوات التي ضاعت منه.
وفي الداخل، انهارت دانة باكية للمرة الأولى منذ أعوام.
لأنها، رغم كل شيء، ما زالت تخاف أن يحبّه أطفالها أكثر منها.
لم يعتد راشد أن يشعر بالعجز.
طوال حياته، كانت الأبواب تُفتح له قبل أن يقترب منها، وكانت المشاكل تُحل قبل أن تصل إليه، وكانت الأموال كافية دائمًا لشراء الوقت والراحة والولاء.
لكن وهو يقف أمام باب منزل دانة للمرة الثالثة خلال أسبوع واحد، أدرك للمرة الأولى أن هناك أشياء لا تُشترى.
فتح الباب هذه المرة الطفل الأكبر.
تجمّد الصغير للحظة عندما رآه، ثم تشدد وجهه بسرعة وكأنه تذكر شيئًا مهمًا.
لم يقل أبي.
ولم يبتسم.
اكتفى بالنظر إليه بحذر قبل أن ينادي بصوت مرتفع:
“ماما، هو جاء مجددًا.”
ظهرت دانة بعد لحظات، ترتدي ملابس منزلية بسيطة، وشعرها مرفوع بعشوائية متعبة.
بدت مختلفة تمامًا عن المرأة الحديدية التي وقفت داخل القصر.
أكثر هدوءًا.
وأكثر إرهاقًا.
نظرت إلى راشد دون ترحيب واضح.
“قلت لك إن الأطفال يحتاجون وقتًا.”
أومأ بصمت، ثم رفع بيده حقيبة صغيرة.
“أحضرت لهم بعض الألعاب.”
لمعت السخرية الخفيفة في عينيها.
“ما زلت تظن أن المال يحل كل شيء.”
خفض يده ببطء.
كانت تلك الجملة تؤلمه أكثر مما يتوقع.
وفي الداخل، كانت الطفلتان أكثر فضولًا منه خوفًا.
اقتربت الصغيرة من راشد ببطء وهي تحدق في ساعته اللامعة.
“هل هذه حقيقية؟”
ابتسم للمرة الأولى منذ أيام.
“نعم.”
“غالية جدًا؟”
ضحك بخفوت.
“أظن ذلك.”
جلست الطفلة بجواره على الأرض دون تردد، بينما بقي شقيقها الأكبر واقفًا بعيدًا يراقب المشهد بصمت متحفز.
شعر راشد بغصة خفية.
كان يعرف تلك النظرة جيدًا.
إنها النظرة نفسها التي كان يرمق بها والده قديمًا حين يغيب طويلًا ثم يعود فجأة محاولًا التصرف وكأن شيئًا لم يحدث.
جلس بهدوء على الأرض قرب الأطفال، محاولًا أن يبدو طبيعيًا رغم ارتباكه الواضح.
لكن كل شيء بدا غريبًا عليه.
كيف يتحدث معهم؟
كيف يقترب منهم؟
كيف يمكن لرجل ضاعت منه سنوات كاملة أن يبدأ فجأة دور الأب؟
سألته الصغيرة بحماس:
“هل صحيح أنك تملك طائرة خاصة؟”
وقبل أن يجيب، قاطعه أخوها الأكبر ببرود:
“لو كان يهتم فعلًا، لما عرفنا بوجوده الآن.”
ساد الصمت.
رفعت دانة عينيها فورًا نحو ابنها.
لكن راشد أوقفها بإشارة هادئة.
ثم نظر إلى الطفل وقال بصراحة:

“أنت محق.”
ارتبك الصغير للحظة.
لم يتوقع اعترافًا مباشرًا.
أكمل راشد بصوت منخفض:
“ولو كنت مكانك ربما كنت سأشعر بالغضب مني أيضًا.”
للمرة الأولى، تردد الانزعاج داخل عيني الطفل.
وللمرة الأولى أيضًا، شعر راشد أن الصدق أصعب كثيرًا من الكلام الذي عاش داخله سنوات.
في الأيام التالية، بدأ يزورهم باستمرار.
في البداية كان يحضر الهدايا كل مرة.
سيارات إلكترونية.
أجهزة ألعاب.
ملابس باهظة.
لكن دانة كانت تراقب كل شيء بصمت.
حتى جاء اليوم الذي وجد فيه الأطفال يلعبون بالصناديق الكرتونية الفارغة أكثر من الألعاب نفسها.
حينها فقط فهم.
في الزيارة التالية، جاء دون أي هدايا.
جلس على الأرض معهم.
رسم معهم.
وخسر عمدًا في لعبة تركيب القطع حتى تضحك الصغيرة.
وعندما نامت إحدى الطفلتين فوق ساقه دون أن تشعر، بقي ثابتًا مكانه قرابة الساعة خوفًا من إيقاظها.
كانت دانة تراقبه من المطبخ بصمت طويل.
شيء داخله تغير فعلًا.
لم يعد ذلك الرجل الذي يختبئ خلف اسمه وعائلته.
بل رجل يحاول، للمرة الأولى، أن يكون حقيقيًا.
لكن خارج هذا المنزل الهادئ، كانت إمبراطورية العائلة تتراجع ببطء.
الصحف الاقتصادية بدأت تتحدث عن خسائر ضخمة داخل الشركات.
شركاء قدامى انسحبوا فجأة.
والوجوه التي كانت تملأ القصر اختفت واحدة تلو الأخرى.
أما الشيخة حصة فكانت تراقب كل شيء يتغير أمامها بعجز كبير.
دخلت إلى القاعة الكبرى ذات مساء، فوجدتها فارغة للمرة الأولى منذ سنوات.
لا حفلات.
لا ضيوف.
لا أصوات.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى