قصص و روايات

روحت أقدم لابني في المدرسة

عم أحمد اتنهد وقال: “مسعد خلاص يا منى.. الحكم القديم اتنفذ عليه، وانضافت عليه قضايا التزوير والنصب وانتحال الشخصية.. أخد حكم مجمع مش هيخرج منه. اتقفل كتابه للأبد يا بنتي، وعمرك اللي سرقه، ربنا رجعلك تمنه كرامة وراحة بال”.

أول ما قفلت السكة، حسيت بركبي سابت.. قعدت على أقرب كرسي، بس المرة دي مكنش فيه دموع خوف ولا قهر، كانت دموع شكر.. شكر لربنا اللي مبيسيبش حق حد.

لكن الدنيا مبتقفش، وأدم بدأ يكبر، ومع كبره بدأت الأسئلة.. الأسئلة اللي كنت مرعوبة منها من يوم ما اتولد.

في يوم، وأنا بقعد معاه أذاكر له، لقا كتاب القراءة مكتوب عليه اسمه بالكامل: “أدم مسعد…”، بصلي بعيونه البريئة اللي شبه عيوني وقال: “ماما.. هو أنا ليه مش بشوف بابا؟ وليه كل صحابي في المدرسة باباهم بييجي ياخدهم وأنا لأ؟ هو بابا فين؟”

الكلمة سكنت في صدري زي السكينة. بلعت ريقي، وحاولت أجمع كل ثباتي عشان متهزش قدامه. نزلت لمستواه، مسكت إيديه الصغيرة وقولتله بنبرة هادية ومليانة حنان: “بص يا حبيبي.. بابا ده كان شخص مش كويس، عمل حاجات وحشة زعلت ربنا وزعلت الناس منه، وعشان كده ربنا أخد منه كل حاجة، وهو دلوقتي بعيد.. بعيد أوي ومش هيرجع تاني. بس أنت مش لوحدك، أنا معاك.. أنا بابا وأنا ماما، وأنا ضهرك وسندك في الدنيا دي، وهخليك أحسن راجل في الدنيا.. عشان لما تكبر، تعوضني عن كل حاجة”.

أدم بصلي بذكاء وفهم سابق سنه، وهز راسه وخدني في حضنه وقال: “أنا بحبك أوي يا ماما، ومش عايز حد تاني غيرك”.

مرت السنين، وبقى أدم في إعدادي، طول بعرض، راجل بجد بيتحمل المسؤولية معايا.. مشيت في الدنيا بوش مكشوف، مكسورة الرأس لأي حد، لأن اللي حصلي كان ابتلاء وأنا انتصرت عليه. مسبتش مجرم يكسرني ولا قانون يضيع ابني.

ودلوقتي، وأنا قاعدة في صالون بيتنا، ببص لشهادات تقدير أدم اللي مالية الحيطة، وبفتكر الدوسيه الكحلي القديم اللي كان مليان تزوير وكدب.. ببتسم وبقول لنفسي: “الورق المزير بيتحرق، والكدب حباله قصيرة.. بس الحقيقة، والست اللي بتوقف على رجلها عشان خاطر ابنها، هي اللي بتعيش وتكتب تاريخها الحقيقي بإيدها”.

السنوات بقت بتجري زي الثواني، وأدم كبر وبقى شحط، طول بعرض، صوته خشن وبقى مالي عليا البيت. دخل ثانوية عامة، وطول السنة دي أنا وهو كنا عايشين في معسكر.. هو يذاكر ويطحن نفسه، وأنا من الفجر صاحية أجهز له أكله وأدعيله، وعيني عليه وهو بيقاوم النوم والتعب عشان يثبت لنفسه وليا إنه قد المسؤولية.

ويوم النتيجة.. اليوم ده عمري ما هنساه. كنت قاعدة على أعصابي، ماسكة الموبايل وإيدي بترتعش، لحد ما السايت فتح وأدم دخل رقم الجلوس. فجأة لقيت الولد صرخ صرخة هزت الشقة، وقام سجد على الأرض وهو بيبكي بنشيج قاطع النفس. أنا قلبي وقع في رجلي، قولتله برعب: “إيه يا أدم؟ طمني يا بني؟”

رفع راسه وعينه حمرا من الدموع وقال بصوت مخنوق من الفرحة: “خمسة وتسعين في المية يا ماما! جبت خمسة وتسعين في المية! هدخل هندسة زي ما كنتِ بتحلمي!”.

ارتميت في حضنه وبقيت أعيط بهستيريا.. عياط السنين كله خرج في اللحظة دي. قولتله وأنا ببوس دماغه وإيديه: “رفعت راسي يا بني.. ربنا جير بخاطري فيك، وطلع تعبي بفايدة.. أنت بطل يا أدم، بطل”.

ودخل أدم كلية الهندسة، وبقى يروح وييجي وواثق في نفسه، ميبصش في الأرض أبدًا. الشاب اللي اسمه مسجل في دفاتر الحكومة، بقى في الحقيقة هو البشمهندس أدم، الشاب المحترم اللي المنطقة كلها بتحلف بأدبه وجدعنته.

لحد ما جه اليوم اللي كنت شايلة همه من زمان.. يوم ما أدم جه وقعد جنبي وهو مكسوف، وبدأ يفرك في إيديه وقال بصوت واطي: “ماما.. كنت عايز أكلمك في موضوع كدة”.

فهمت على طول وابتسمت: “شايفاكي بتلف وتدور بقالك كام يوم.. مين سعيد الحظ؟”

وشه احمر وقال: “زميلتي في الكلية.. اسمها ‘ندى’.. بنت مؤدبة جداً ومن عيلة ناس طيبين أوي يا ماما، وأنا بصراحة اتعلمت منها ومنك إني أدخل البيوت من أبوابها، وكنت عايزك تيجي معايا نخطبها”.

الفرحة خدتني، بس في ثانية، الوجع القديم صحي في قلبي زي النغزة.. مسكت إيده وقولتله بقلق: “يا حبيبي أنا فوق الوصف فرحانة لك.. بس أنت عارف يا أدم.. إحنا لازم نكون صرحا معاهم من أول دقيقة.. عيلة البنت لازم تعرف كل حاجة عن قصة أبوك.. أنا مش هبني حياتك على داري وفوت، ولا هسمح إن كدبة تانية تبوظ حياتنا.. لازم يعرفوا عشان نشتري ناس شارينا بجد”.

أدم بصل بصلة كلها فخر وقال: “أنا كنت متأكد إنك هتقولي كدة يا أمي.. وأنا فعلاً مكدبتش عليها، ندى عارفة كل حاجة، وقالتلي إنها شارياني أنا، مش شارية ماضي ماليش ذنب فيه.. وباباها راجل محترم ومثقف وقال إنه عايز يقعد معاكي”.

وروحنا.. دخلت بيتهم وأنا حاطة عيني في عين أبوها، مش خايفة ولا مهزوزة. الراجل استقبلنا بأحسن استقبال، وقعدنا واتكلمنا، وفي وسط الكلام، أبو ندى بص لأدم وقال بنبرة كلها احترام: “بص يا بني.. أنا سألت عليك في كليتك وفي منطقتك، والكل قال إنك راجل وابن ست بميت راجل.. الماضي بتاع أبوك ده يخصه هو، وربنا حاسبه عليه.. إنما أنت، أنت النسخة النظيفة، النسخة اللي أمك تعبت وشقيت عشان تطلعها للنور.. وأنا يشرفني ويسعدني إني أناسبكم”.

الكلمة دي غسلتني من جوايا.. حسيت إن ربنا بيطبطب على قلبي بعد السنين دي كلها وبيقولي: “أهو تعبك ماراحش الأرض”.

النهاردة، وأنا واقفة في قاعة الأفراح، لابسة فستان شيك ومزغردة بعلو صوتي وسط الناس.. وببص لأدم وهو لابس بدلة الفرح وبيرقص مع عروسته، افتكرت نفسي من كام وعشرين سنة، لما كنت واقفة في مكتب الموظفة والبوليس بياخدني.. واكتشفت إن المحنة دي، مكنتش نهاية العالم.. دي كانت البداية الحقيقية عشان أبقى “منى” القوية، وعشان أخلق من وسط الضلمة راجل بجد يغير مجرى حياتنا.

بصيت لروحي في المراية وقولت: “الحمد لله.. الحكاية خلصت صح، والنور كسب في الآخر”.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى