
أمي سكتت، وبعدها قالت
عماد… وشريف… ويمكن كمان ناس من عيلتنا.
تاني يوم، الساعة خمسة ونص، كنت واقفة قدام المراية، بجهز نفسي للمقابلة.
كنت اتفقت مع سعيد وخالي إننا نروح كلنا سوا، وإن أي كلام يتقال يتسجل في محضر رسمي لو احتاج الأمر، وإننا ما نمضيش على أي ورقة ولا نسلم أي مستند قبل ما المحامي يراجعه.
أمي كانت قاعدة على طرف السرير، ماسكة صورة أبويا القديمة.
قلت لها
جاهزة يا ماما؟
رفعت عيني وقالت
أنا مش عارفة إذا كنت جاهزة ولا لأ، لكن لازم أروح.
نزلنا، ولقينا سعيد وخالي مستنيينا تحت.
سعيد أول ما شافني، قرب وسألني
إنتِ كويسة؟
قلت له
أيوه، بس فيه حاجات كتير لازم نتكلم فيها.
هز راسه.
هنسمع كل حاجة، وبعدها نقرر.
ركبنا العربيات، واتحركنا ناحية العنوان القديم.
المخزن كان موجود في شارع جانبي ضيق، في منطقة قديمة من القاهرة، بعيد عن الشوارع الرئيسية. المبنى كان قديم، وبابه الحديد متآكل من الأطراف، وفوقه لافتة باهتة مش باين
منها غير كلمتين.
نزلنا من العربيات، وخالي اتصل بالمحامي عشان يعرفه إننا وصلنا.
بعدها قرب سعيد من الباب وخبط.
بعد ثواني، الباب اتفتح.
كان واقف قدامنا راجل في الستينات، شعره أبيض، ووشه فيه
تجاعيد كتير.
أول ما شاف أمي، قال
اتأخرتي يا صفية.
أمي بصت له وقالت
أنا ما كنتش عايزة أرجع للمكان ده.
الراجل تنحى عن الباب وقال
اتفضلوا.
دخلنا المخزن.
كان واسع، وفيه رفوف خشب قديمة، وكراتين متكومة، ومكتب كبير في آخر المكان.
شريف منصور كان واقف جنب المكتب، وأمامه صندوق معدني صغير.
بص لسعيد وقال
إنت ابن محمود؟
سعيد رد
أيوه.
شريف هز راسه، وقال
كنت شبهه وإنت صغير. دلوقتي بقيت شبهه أطر.
سعيد ما اهتمش بالكلام.
قال مباشرة
أنا عايز دفتر الحسابات.
شريف بص لأمي، وبعدين رجع بص له.
الدفتر موجود.
سعيد اتقدم خطوة.
فين؟
شريف حط إيده على الصندوق المعدني.
هنا.
حماتي ما كانتش موجودة معانا في المرة دي، لأنها كانت عند المحامي بتتابع المستندات، لكن سعيد كان متفق معاها إنه يرجع لها أول ما يعرف أي جديد.
خالي قال لشريف
قبل ما تسلم أي حاجة، لازم نعرف إيه اللي موجود في الصندوق، وإيه علاقتك بالمستندات دي.
شريف هز راسه، وفتح الصندوق.
طلع منه دفتر حسابات قديم، ملفوف بقطعة قماش، ومعاه مجموعة أوراق وخطابات.
سعيد مد إيده، لكنه توقف قبل ما ېلمس الدفتر.
كان واضح إن اللحظة دي بالنسبة له أكبر من مجرد العثور على ورقة.
ده كان الدفتر اللي والده كتب عنه في رسالته، واللي فضل سنين طويلة يدور عليه من غير ما يعرف إذا كان موجود أصلاً.
شريف قال
قبل ما تاخده، لازم تسمع الحكاية من أولها.
سعيد رد
اتكلم.
شريف قعد على الكرسي، وبدأ يحكي.
قال إن والد سعيد، محمود، كان شريك عماد في الورشة، وإنه كان المسؤول عن شراء الخامات ومراجعة الحسابات. وبعد فترة، اكتشف إن فيه مبالغ اتسجلت مرتين، وإن بعض الفواتير ما كانتش مطابقة للكميات اللي دخلت الورشة.
محمود واجه عماد بالأرقام، لكن عماد قال إن الأخطاء حصلت بسبب ضغط الشغل، وإن الحسابات محتاجة مراجعة.
شريف قال إنه كان وقتها مسؤول عن الدفاتر، وإنه لاحظ بالفعل وجود اختلافات، لكنه ما كانش قادر يحدد إذا كانت أخطاء إدارية ولا نتيجة تصرفات متعمدة.
بعدها، حصلت خسائر كبيرة، والورشة اتقفلت، وبدأت الخلافات بين الشركاء.
سعيد سأله
طيب، وإيه علاقة أبويا بالتسوية اللي اتعملت؟
شريف قال
أبوك دفع جزء من المبالغ، واتفق مع عماد على بيع المعدات وتسوية الباقي. لكن قبل ما التسوية تكتمل، ظهر خلاف جديد على الحسابات.
أمي كانت واقفة ساكتة، وعينيها مثبتة على الدفتر.
شريف كمل
أبوك طلب من والد ندى
يساعده في مراجعة بعض الأوراق، لأنه كان بيثق فيه، وكان شايف إنه شخص أمين ويقدر يراجع الحسابات بعيد عن الخلاف بين الشركاء.
أنا بصيت لأمي پصدمة.
يعني بابا كان بيشتغل على الملف ده؟
أمي هزت راسها ببطء.
أيوه.
شريف قال
والدك يا ندى كان موظف حسابات، وكان فاهم كويس في الأرقام. هو اللي اكتشف إن فيه مستندات اتعدلت بعد توقيع التسوية.
سعيد سأله
مين اللي عدلها؟
شريف نزل عينه للأرض.
أنا ما أقدرش أتهم حد من غير دليل واضح. لكن الدفتر فيه قيود تثبت إن المبلغ اللي اتطالب بيه والدك بعد التسوية، كان جزء كبير منه مدفوع بالفعل.
خالي تدخل وقال
طيب، وإيه اللي حصل بعد كده؟
شريف تنهد.
والد ندى طلب مني أحتفظ بنسخة من الحسابات الأصلية، وقال لي إنه هيسلمها للمحامي عشان تتراجع. لكن قبل ما يتم ده، حصل خلاف بينه وبين بعض الأشخاص اللي كانوا عايزين الملف يتقفل بأي طريقة.
أمي غمضت عينيها.
شريف بص لها وقال
أنا عارف إنك مش حابة تفتكري اللي حصل، لكن لازم الحقيقة تتقال.
أمي ردت بصوت مبحوح
أنا ما كنتش عارفة كل التفاصيل وقتها.
شريف هز راسه.
عارف. لكنك كنتِ عارفة إن جوزك احتفظ بأوراق مهمة، وإنه طلب منك ما تتخلصيش منها.
أمي بدأت ټعيط.
أنا قربت منها وقلت
ماما، إنتِ كنتِ تعرفي إن بابا كان بيساعد والد سعيد؟
قالت
كنت أعرف إنه بيراجع أوراق حسابات، لكن ما كنتش أعرف إن الموضوع وصل لمطالبة مالية كبيرة.
شريف فتح الدفتر على صفحة معينة، وأشار إلى مجموعة أرقام وتوقيعات.
وقال
دي القيود الأصلية، ودي إيصالات الدفع، ودي ملاحظات والدك عن المستندات اللي اتغيرت بعد التسوية.
سعيد قرب من الدفتر، وبدأ يراجع الأرقام.
وبعد لحظات، رفع عينه لشريف وقال
لو الكلام ده صحيح، يبقى ليه فضلت ساكت كل السنين دي؟
شريف ما ردش بسرعة.
وبعدين قال
لأني كنت جبان.
الكلمة نزلت على المكان كله.
كمل
كنت خاېف أخسر شغلي، وخاېف أدخل في مشاكل مع ناس عندها نفوذ أكبر مني. وبعد ما والدك توفى، خفت أطر. كنت بقول لنفسي إن الموضوع خلاص انتهى، وإن فتحه من جديد مش هيغير حاجة.
سعيد قال پغضب
بس أنا دفعت تمن سكوتك!
شريف هز راسه.
عندك حق. وأنا مش هطلب منك تسامحني. أنا هسلم الدفتر للمحامي، وأشهد بكل اللي أعرفه.
خالي قال
وده المطلوب. لكن لازم كل حاجة تتوثق بشكل قانوني.
شريف وافق، وبدأ يجمع الأوراق في الملف.
لكن وأنا واقفة جنب أمي، لاحظت إن فيه ورقة منفصلة تحت
الدفتر، عليها اسم أبويا وتوقيعه.
سحبتها برفق، وبدأت أقرأ.
كانت ورقة قصيرة، مكتوب فيها إن والد سعيد أتم تسوية جزء كبير من المبالغ، وإن باقي الحسابات لازم تتراجع بحضور كل الأطراف.
لكن في أسفل الورقة، كان فيه اسم شخص تاني، مكتوب بجواره
تم استلام النسخة الأصلية.
الاسم كان واضحاً.
صفية منصور.
اسم أمي.
رفعت عيني ببطء.
أمي كانت بتبص للورقة، ووشها شاحب.
سعيد شاف الاسم، وبص لها بدهشة.
طنط صفية، إنتِ استلمتي النسخة الأصلية؟
أمي ما قدرتش ترد.
شريف قال
أيوه. والد ندى استلم نسخة من الحسابات، لكن قبل ما يسلّمها للمحامي، حصلت مشكلة، واضطر يسيب بعض الأوراق عند زوجته.
سعيد سألها
طيب، الورق ده راح فين؟
أمي بدأت ټعيط بصوت أعلى.
وقالت
أنا ما كنتش أعرف إن النسخة الأصلية كانت ضمن الورق اللي احتفظت بيه. كنت فاكرة إن اللي عندي مجرد خطابات قديمة.
سعيد قال
لكن الورقة عليها توقيعك.
أمي مسحت دموعها، وقالت
أنا مش بنكر إني استلمت أوراق من أبوكي يا سعيد. لكن أنا ما كنتش أعرف إنها هتفضل مرتبطة بالموضوع ده لحد النهارده.
شريف تدخل وقال
المستندات اللي كانت عند صفية ممكن تكون مهمة جداً، لأنها بتوضح مين استلم النسخة الأصلية، وإمتى.
أنا كنت واقفة بين أمي وسعيد، ومش عارفة أقول إيه.
أمي اللي كانت مصممة توقف جوازي عشان خاېفة على مستقبلي، كانت في الحقيقة مرتبطة بموضوع قديم يخص عيلة سعيد، حتى لو ما كانتش عارفة كل تفاصيله.
وسعيد اللي اتهمته أمي إنه مخبي عني حاجة، اكتشف دلوقتي إن أمي نفسها كانت محتفظة بأوراق ممكن تساعده يعرف الحقيقة.
لكن قبل ما حد يقدر يتكلم، شريف قال
فيه حاجة تانية لازم تعرفوها.
سعيد بص له بتعب.
إيه تاني؟
شريف فتح آخر درج في المكتب، وطلع ظرفاً صغيراً.
قال
الدفتر ده فيه الحسابات، لكن الظرف ده فيه خطاب من والد ندى، كتبه قبل ۏفاته بفترة قصيرة. وأنا احتفظت بنسخة منه، لأنني كنت خاېف الورق يضيع.
مد الظرف لسعيد.
لكن سعيد ما أخدوش.
بص لي وقال
الخطاب يخص والدك. إنتِ اللي تقريه الأول.
مسكت الظرف بإيد مرتعشة.
فتحته، وطلعت منه ورقة مكتوبة بخط أبويا.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
إلى كل من يهمه الأمر، أنا صفاء محمد منصور، أؤكد أن مراجعة الحسابات أظهرت وجود مبالغ تم سدادها بالفعل، وأن أي مطالبة مالية مستقبلية يجب أن تستند إلى الأصول الأصلية للمستندات، وليس إلى نسخ غير مكتملة.
وقفت عند السطر التالي.
كان
مكتوباً
وقد سلمت نسخة من هذه الحسابات إلى زوجتي صفية، على سبيل الأمانة، حتى يتم تسليمها للمحامي المختص عند الحاجة.
رفعت عيني لأمي.
كانت بټعيط،
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




