قصص و روايات

أخويا كان مسافر

نفضت إيدي وقلت لها بصرامة: لأ معلش، مش عايزة أبدل، هاتي عبايتي خليني أمشي وأروح بيتي.
هنا ضحكت بصوت عالي وقالت: قلت لك أنا صاحبة الحاجة وأنا اللي أختار، ولو عجبتك العباية أوي كده خليه جوزك يجبلك زيها!.
اتصدمت وقسوة كلامها، وأمي قالت لها بعصبية: عيب كده يا بنتي، بلاش الكلام ده!.
ردت: دي الحقيقة يا حماتي!.

أنا سكت تماماً، وسبت العبايتين قدامها على الترابيزة، وقلت لها بهدوء: اللي تشوفيه يا شهيرة، مبروكين عليكي انا مش عايزه حاجه، ومشيت بهدوء من غير ما أزعق، ومن غير ما أتصل بأخويا أشكي له أو أكدره في سفره انا عارفه كويس هعمل ايه؟؟

أما شهيرة، فبقت قاعدة في بيت أمي بتتفرج على العبايتين، مبهورة ومبسوطة إنها قدرت تفرض رأيها وتاخد الاتنين لنفسها، وتاني يوم على العصر كدة، وصل عند شهيرة شنطة سودا جديدة، ومكتوب عليها اسمها هي! شهيرة لما شافت الشنطة طارت من الفرحة، وافتكرت إن جوزها بعتلها هدية تانية وجريت فتحتها بس أول ما فتحت الشنطة، اخدت العبايتين وهيه بتعيط وجات بيهم جري على بيتي ووقفت تترجاني اخد العبايتين ليا وهيه مش عيزاهم!!!!

اللي حصل يا سادة إن أمي، ربنا يديها الصحة وطولة العمر، مكنش طايقها الصبر ولا السكوت الحكيم اللي أنا عملته. أول ما مشيت وسيبت العبايتين على الترابيزة وخرجت بهدوء، أمي جابت آخرها من طريقتنا وقلة ذوق شهيرة ومعاملتها.
أمي مسكت تلفونها وضربت أخويا أحمد في السفر، وحكت له على كل اللي حصل بالحرف الواحد، من غير ما تنقص كلمة ولا تزود حرف. حكت له إزاي شهيرة خطفت الهدية اللي هو مختارها لي بنفسه، وإزاي هزأتني في بيتها وأهانتني وأنا ساكتة عشان خاطره وخاطر صلة الرحم.

أحمد طبعاً، الراجل اللي شقيان وغربته واكلاه، دمه فار واتحرق، وقال لأمي بصوت كله حزم:
سيبي الموضوع ده ليا يا أمي، وسهام دي خط أحمر عندي، واللي جرحها كأنه جرحني أنا شخصياً، اصبري عليا بكره تشوفي هعمل إيه عشان تعرف إن الله حق.

وتاني يوم على العصر كدة، وصل عند شهيرة ديليفري خاص لحد باب بيت أهلي، ووصلت الشنطة السودا الكبيرة اللي مكتوب عليها اسمها شهيرة بخط كبير وواضح.
شهيرة لما شافت الشنطة والشكل الفخم، عينيها لمعت بالطمع، وقالت في نفسها بسعادة وخبث وهي بتفرك إيديها: أكيد أحمد حس إني زعلت لما كلمته مبارح، وبعتلي هدية تانية تصالِحني بيها وتعوضني عن العباية اللي سهام خدتها! رغم إن سهام هي اللي سابتها بمزاجها.

جريت شهيرة وهي بتتنطط من الفرحة، فتحت الشنطة بسرعة البرق.
لكن المفاجأة… أول ما فتحت الغطاء وبصت جوة، عينيها وسعت للآخر واتجمدت في مكانها!
الشنطة مكنش فيها أي هدية تسر..
شهيرة اترعبت وقلبها وقع في رجليها، إيديها اترعشت وهي بتستوعب الموقف.

الرعب دب في قلبها، والألوان طارت من وشها. مبقتش قادرة تبلع ريقها ولا تقف على رجليها. جريت، فتحت الدولاب وطلعت العباية السوداء بتاعتي اللي خطفتها، وطلعت معاها العباية التانية، وراحت نازلة جري على السلم لحد ما وصلت عند باب بيتي وهي بتترعش!

أنا كنت قاعدة في الصالة مع ابني الصغير أحمد، شاربة كوباية الشاي بهدوء، ولسه بتكلم مع جوزي وبحكيله اللي حصل امبارح ببرود تام عشان مديش الموضوع أكبر من حجمه وأقفل الصفحة.
وفجأة… صوت خبط على الباب بعنف ومفيش أي صبر، خبط عالي ومتقطع.
قمت استغربت، وفتحت الباب بسرعة…
لقيت شهيرة! بس إيه؟ منظرها كان صعب. وشها أصفر، عيونها حمرا من العياط والهلع، وشعرها منكوش، وواقفة بتترعش، وماسكة العبايتين بإيديها الاتنين بقوة وكأنهم طوق نجاة هينقذها من الغرق.

أول ما فتحت وشافتني، مفكرتش لحظة واحدة، وقعت على ركبتها قدام باب الشقة وهي بتعيط بشهقات عالية وتقول بصوت مكسور:
حقك عليا يا سهام! والله العظيم حقك عليا! أنا كنت شيطانة وعميا.. خدي عبايتك، والنبي خدي الاتنين! والله العظيم ما عايزة حاجة منهم ولا عايزة ألمسهم طول ما أنا عايشة! بالله عليكي اتصلي بأحمد وقوليله يسامحني، اقفلي الموضوع ده والنبي عشان عيالي وبيتي مايخربوش!

بصيت لها وأنا ثابتة في مكاني، مكنش في قلبي أي تشفي، بس كان فيه إحساس عميق بالارتياح إن الحق دايماً ليه رجالة بيحموه، وإن ربنا بينصر المظلوم في الوقت المناسب وبأبسط الطرق.
قلت لها بصوت هادي وثابت:
قومي يا شهيرة.. اقفي عدل. أنا مكنش زعلانة عشان عباية ولا جلابية، العبايتين دول تحت رجلك لو تحبي، الفلوس تروح وتيجي. أنا كان زعلاني على طريقتك اللي مش محترمة، وكلمتك اللي جرحتني وأنا في بيت أمي. أحمد أخويا ده راجل شقيان بيغرب نفسه سنين وسنين عشان يفرحنا كلنا، مش عشان مراته تكسر بخاطري وتأذينا بالقوة.

ردت وهي بتعيط أكتر وبتترجاني:
والله العظيم توبة! توبة أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي تاني أبداً! أبوس إيدك خلصيني وكلميه قوليله إني جيت لحد عندك واعتذرت!.

وفي اللحظة دي، جرس التلفون بتاعي رن. بصيت على الشاشة، لقيت اسم أحمد أخويا.
قلبي ارتاح، وفتحت الخط وقلت بصوت حنون وبابتسامة: حبيبي يا أحمد، حمداً لله على سلامة الشنطة وجمالها.
سمعت ضحكته الهادية في التلفون وهو بيقول لي: سامعك يا سهام، وسامع شهيرة وهي واقفة عندك بتترجاكي. عسى الدرس يكون دخل دماغها وفهمت إن اللي يمد إيده على حق غيره، ربنا بيبعتهاله بالطريقة اللي ترعبه وتصحيه من غفلته.

قلت له بطيبة قلب وحكمة: خلاص بقى يا أحمد، البنت اعتذرت واديها جابت العباية لحد عندي، عفا الله عما سلف، عشان خاطري ما تكبرش الموضوع أكتر من كده وخلي بيتها عامر.
أحمد سكت شوية وبعدين قال بحب: علشان خاطرك أنتِ يا سهام، وعلشان خاطر أمنا، أنا هسامحها المرة دي، بس لو تكررت تاني، هيكون ليا كلام تاني خالص معها.

قفلت التلفون مع أحمد، وبصيت لشهيرة اللي كانت واقفة. قلت لها: قومي يا شهيرة، العباية بتاعتك اللي اخترتيها لنفسك خديها، والعباية بتاعتي اللي أخويا جبهالي هخدها، وربنا يهديكي وتبطلي طمع بعد كده.
شهيرة أخدت بعضها وجريت على بيتها، ومن يومها ده اتغيرت تماماً، مبقتش تمد إيدها على حاجة مش بتاعتها، وبقت تحترم الكل، وتعلمت درس عظيم في الحياة إن الطمع ما يجيبش غير المذلة، وأن السكوت مش ضعف أبداً.. السكوت هو ذكاء بيسيب الحساب لناس تعرف تربي صح!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى