
في عالم مليء بالقصص الغريبة والمواقف التي تعجز العقول عن استيعابها، تبقى قصة النيجيري “هاريسون أوكين” (Harrison Okene) واحدة من أكثر حكايات الصمود البشري إثارة للذهول في العصر الحديث. قصة رجل استطاع أن يتحدى الموت، ويبقي جذوة الأمل متوقدة في صدره لمدة ثلاثة أيام كاملة، قضاها تحت سطح البحر في ظلام دامس وبدون أي أدوات سلامة أو معدات تنفس، ليخرج بعدها معجزة حية تروى للأجيال.
بداية الرحلة واللحظة الحاسمة
تبدأ أحداث هذه القصة المثيرة عندما خرجت سفينة القطر والمعاونة المعروفة باسم “جاسكون-4” (Jascon-4) في مهمة بحرية اعتيادية قرب خليج غينيا. كانت مهمة السفينة هي سحب باخرة نفط راسية في المنطقة، والتي تشتهر باحتوائها على كميات ضخمة من إمدادات الوقود التي يتم نقلها عادة إلى الدول المجاورة.
كان هاريسون أوكين البالغ من العمر تسعة وعشرين عاماً ضمن طاقم هذه السفينة، وكان يعمل فيها بصفة طباخ رئيسي. في ذلك الصباح، استيقظ هاريسون كعادتة اليومية المعتادة، وتحرك متوجهاً إلى دورة المياه. لم يكن يدري أن تلك الخطوة البسيطة، التي تبدو عادية جداً، هي القرار الإلهي الذي سيحفظ حياته من الموت المحتم.
فبمجرد دخوله إلى حمام السفينة وإغلاق الباب خلفه، تعرضت السفينة لهبوب رياح عاتية وأعاصير بحرية مفاجئة وعنيفة غير محسوبة. هذه الظروف القاسية أدت إلى فقدان التوازن وانقلاب السفينة بشكل كامل رأساً على عقب، لتستقر في قاع البحر على عمق بلغ نحو ثلاثين متراً تحت سطح الماء.
محاصرة في الظلمات وتحت ضغط هائل
بسبب كميات المياه الهائلة التي تدفقت بسرعة جنونية، انلعع باب الحمام بفعل ضغط المياه المرتفع، ووجد هاريسون نفسه فجأة وسط مشهد مرعب؛ السفينة مقلوبة، والمياه تغمر كل زاوية، وأفراد طاقمه يهرعون نحو مخارج الطوارئ محاولين النجاة بحياتهم، تاركينه خلفهم يواجه مصيره بمفرده تحت ضغط مائي هائل ونقص حاد في الأكسجين وسط ظلام المحيط الدامس.
تجمد هاريسون في مكانه لبرهة من الزمن، وراحت الأفكار المرعبة تعصف بذهنه؛ هل ستفترسه أسماك القرش المفترسة؟ أم أنه سيلفظ أنفاسه الأخيرة غرقاً في هذه القمقم المظلمة؟ لكن وسط هذه المخاوف الكبيرة، تمسك بأمل النجاة وولد في داخله إصرار عجيب على البقاء وقهر الظروف.
في تلك الأثناء، لم يحالف الحظ بقية أفراد الطاقم الذين لم يمتلكوا الوقت الكفئ لتجهيز معدات الغوص اللازمة، وشهد هاريسون بأسى جثث زملائه وهي تطفو أمام عينيه. بدأت المصاعب تتضاعف عليه بشكل قاسي؛ إذ ارتفع ضغط الماء ودفعه بقوة إلى حمام آخر داخل السفينة، مما تعرض معه لكدمات عديدة في أنحاء جسده، وصداع حاد، ومعاناة مستمرة من نقص الأكسجين. لكنه لم يستسلم، بل تمسك بحوض الماء ليحافظ على وضعيته واقفاً ووجهه فوق مستوى سطح الماء الضئيل.
محاولات الإنقاذ الفاشلة واليأس المؤقت
أثناء وجوده في تلك الزاوية الضيقة، سمع هاريسون أصوات فريق الإنقاذ الذي هرع فوراً إلى موقع الكارثة لمحاولة البحث عن ناجين. لكن نظراً للعمق الشديد الذي استقرت فيه السفينة والظروف الخطرة، لم يتمكن الغواصون من الوصول إلى الموقع بدقة في ذلك الوقت، فانسحب الفريق مؤقتاً وألغى عملية البحث مستبعداً تماماً وجود أي ناجين في تلك الظروف القاسية.
شعر هاريسون بخيبة أمل كبيرة وبدأ يفقد الأمل في النجاة تدريجياً، خصوصاً مع ظهور أعراض انخفاض حرارة الجسم (انخفاض الحرارة)، بالإضافة إلى شعوره الحارق بالعطش والجوع الشديد بعد ساعات طويلة قضاها في العزلة.
بارقة أمل جديدة بعد 72 ساعة
بعد مرور اثنتين وسبعين ساعة كاملة -أي ثلاثة أيام كاملة- منذ انقلاب السفينة، حضرت سفينة إنقاذ متخصصة تُدعى “ليويك توكان” (Lewek Toucan) لتمشيط المنطقة، وتحديد موقع السفينة الغارقة، وتجميع الجثامين وتسليمها لذويها لدفنها في وطنهم.
لم يكن فريق الإنقاذ يعلم أو يتوقع نهائياً وجود أي شخص حي بعد كل هذه المدة الطويلة تحت الماء. كان الفريق مكوناً من خبراء غوص دوليين يشرف عليهم متخصصون يوجهون الغواصين لإتمام المهمة الصعبة المتمثلة في انتشال الجثامين من داخل الحطام المقلوب.
بدأ الغواصون في كسر الأبواب للدخول إلى الأقسام الداخلية للسفينة. وبينما كانوا ينفذون مهمتهم الحزينة ويجمعون الجثامين واحدة تلو الأخرى استعداداً لمغادرة الموقع، حدث ما لم يكن في الحسبان.
المعجزة الحقيقية وظهور الناجي
بينما كان أحد الغواصين (ويُدعى نيكو) يتحرك داخل الممرات المظلمة، سمع صوتاً خفيفاً يشبه الطرق على المعدن. وفي اللحظة التالية، امتدت يد بشرية ولمست ذراعه!
في البداية، اعتقد الغواص أن هذه اليد تخص أحد ضحايا الحادث، لكنه عندما أمسك بها وجدها تتحرك وتستجيب له! سرى شعور بالرعب والذهول في جسد الغواص، وكاد يترك اليد من شدة المفاجأة، إذ لم يكن في خططهم نهائيًا احتمال وجود شخص حي يرزق بعد ثلاثة أيام كاملة.
في تلك اللحظة، صرخ رئيس فريق الإنقاذ عبر جهاز الاتصال موجهاً الغواص ومؤكداً له أن هناك ناجياً على قيد الحياة. بالفعل، تعاون الفريق بسرعة وسحبوا هاريسون من مخبئه ليقف أمامهم بكامل وعيه رغم الإرهاق الشديد.
مرحلة الرعاية والعودة للحياة الطبيعية
تجمع فريق الإنقاذ حوله فوراً لتقديم الإسعافات الأولية؛ حيث شُخصت حالته بإصابة طفيفة نتيجة تسمم ثاني أكسيد الكربون وضيق التنفس الحاد. قام الفريق بتوفير المياه الدافئة لتدريج جسده المرتجف، وتزويده بالأكسجين النقي عبر قناع خاص لمدة عشرين دقيقة كاملة لتهئيته لمواجهة الضغط الجوي تدريجياً قبل إخراجه من قاع البحر.
تم إنجاز عملية الإنقاذ بنجاح باهر، وصعد هاريسون إلى سطح الماء ليرى النور والحرية مرة أخرى. عادت الروح إلى أهله في وطنه نيجيريا وسط استقبال مهيب واهتمام إعلامي عالمي واسع.
وبعد هذه التجربة المرعبة التي غيرت مجرى حياته للأبد، اتخذ هاريسون قراراً قاطعاً بالابتعاد عن العمل في أعماق البحار نهائياً، وعاد لممارسة هوايته وم مهنته القديمة كطباخ، ولكن هذه المرة في أمان تام وعلى اليابسة، لتبقى قصته واحدة من أعظم ملاحم الصمود الإنساني في تاريخ البشرية.




