
البيت الواسع اللي كان مليان صمت ووحدة، فجأة اتحول لساحة صراع بين الماضي والمستقبل، بين بنتي اللي ربيتها وسهرت ليالي علشانها، وبين الراجل اللي دخل حياتي ورجع لي نبض قلبي وشبابي بعد سنين من التعب. القصة دي بدأت بضحكة، لكن نهايتها كانت كفيلة تغير موازين حياتي كلها وتخليني واقفة على خط النار بين قطعتين من روحي.
البداية الكدابة.. والوحدة القاسية
بعد ما جوزي الله يرحمه مات، الدنيا اسودت في وشي وماليش غير بنتي الوحيدة. استقويت بيها، وربيتها أحسن تربية، دخلتها أحسن مدارس، لحد ما تمت عشرين سنة وهي لسة بتدرس، وتقدم لها شاب كويس حبته وحبته، واتجوزوا. وقتها حسيت إن رسالتي في الدنيا خلصت، وبنتي بقت في بيت جوزها ولها حياتها المستقلة.
لكن اللي ما عملتش حسابه هو “الوحدة اللعين”. أربع حيطان كانوا بيطبقوا عليا كل ليلة، البيت فاضي وملوش صوت، وبنتي مشغولة في بيتها وجوزها وزيارتها بقت بالموت. كنت بحس إني خلاص بفقد عقلي من كتر القعدة لوحدي، لحد ما ظهر في حياتي “جمال”.
جمال كان شغال مشرف فني في الإدارة اللي أنا شغال فيها، راجل رزين، شخصيته محترمة وكلمته ميزان. بدأ الكلام بينا بحكم الشغل، وشوية بشوية لقيت نفسي بتعلق بيه. كنت محتاجة حد جنبي.. حد يحسسني إني لسة ست وليا قيمة في الدنيا. لما صارحني إنه عايز يتجوزني، الدنيا ما كانتش سيعاني من الفرحة، بس قابلتنا عقبة.
هو كان متجوز وعنده مشاكل مع مراته الأولى، وما ينفعش يخليها تسيب بيته عشان أولاده، وظروف الإيجارات برة كانت مستحيلة عليه. قلت له بكل طيبة وبساطة: “الشقة عندي واسعة وفاضية، وبنتي متجوزة وما بتجيش غير كل فين وفين، تعالى نعيش هنا ونبني حياة جديدة.” وبالفعل اتجوزنا، وبنتي باركت لي وقالت لي برضا: “ربنا يسعدك يا ماما.”
شهر العسل.. ودخول الطوفان
عشنا شهرين ولا في الأحلام. جمال رجع لي روحي وشبابي، وبقى البيت مليان ضحك وحياة. لكن زي ما بيقولوا، الحلو ما بيجملش للآخر.
بعد شهرين بالظبط، لقيت بنتي داخلة عليا بشنطة هدومها، والبكاء غارق وشها، ومعاها بنتها الصغيرة اللي عندها أربع سنين. عرفت إنها اتلخبطت مع جوزها في خناقة كبيرة وسابت له البيت وزعلت عندي. كأم، مستحيل أرد بنتي، استقبلتها بحضني وقلت لها: “البيت بيتك يا قلب أمك.”
لكن من أول يوم، التوتر دب في البيت زي السم. جمال كان واخد راحته في الشقة زي العادة، يلبس لبس بيتي مريح، ويقعد معايا في الصالة يتفرج على التلفزيون، ويظهر لي حه واهتمامهم كعروسين. طبيعي بالنسبة لنا كنا متجوزين جديد، بس بالنسبة لبنتي كان الموضوع مستفز ودمه ثقيل.
بدأت تحس إن جمال بيعمل كده قاصد علشان يضايقها ويحسسها إنها ضيفة ثقيلة في بيت أبوها اللي هو قاعد فيه. جمال نفسه ما كانش طايق وجودها وبدأ يلمح لي كتير، وأنا كنت أقول له: “دي بنتي يا جمال، استحملها شوية.”
لحد ما جه اليوم اللي طفح فيه الكيل. بنتي جت وقالت لي بضيق أعصاب: “يا ماما، ياريت تحتفظوا بأوقاتكم الخاصة دي لنفسكم، مش قدامي ولا قدام بنتي الصغيرة!”
ساعة الصفر.. وانفجار البيت
الكلام نزل علي زي الصاعقة وخخرجني عن شعوري. قلت لها بعصبية: “أوقات إيه يا بنت أنتِ؟! اتعلمي تحافظي على لسانك وأنتِ بتكلمي أمك!”
ردت عليا بحدة أكبر: “الأوقات اللي كل دقيقة بتعملوها قدامي! عيب كده، أنتِ مش صغيرة ولا هو صغير لحركات المراهقين دي!”
الكلمة طارت عقلي تماماً، ورديت عليها من كتر الغضب: “الحركات دي لو كنتِ اتعلمتيها وعملتيها مع جوزها مكنتيش اتطلقتي وجيتي لي غضبانة!”
البنت اتصدمت ووشها جاب ألوان، وقالت بصوت بيترعش: “أنتِ بتعايريني يا أمي؟!”
قلت لها بضيق أعمى: “أنتِ اللي بتقلّي أدبك! ولو مش عاجبك الوضع، جدتك قاعدة لوحدها ومتمنية حد يقعد معاها.. شيلي بنتك واقعدي هناك!”
في اللحظة دي، الباب اتفتح وخرج جمال وهو سامع كل كلمة. وشه كان أحمر من الغضب وقال بعصبية: “أنا مش صغير عشان أتهان في بيتي! من النهاردة أنا ماشي، اقعدي مع بنتك خليها تنفعك!”
أنا اتبرجلت وتمسك في إيده برجاء: “لا يا جمال! عشان خاطري متسابنيش، أنت عارف إني ما أستغناش عنك!”
بنتي زعقت بصوت عالي: “وأنت لما راجل قوي كده، قاعد في ملك غيرك ليه؟ مشوفتش لنفسك شقة تلمك؟!”
البيت كله اتقلب، وعلا صوتنا كلنا. وفي وسط الزعيق والهيصة، كانت الطفلة الصغيرة واقفة في النص بين رجلين الكبار، تبكي بحرقة ومرعوبة من الصوت العالي. من شدة التوتر العصبي والهبوط المفاجئ والخوف الشديد، سقطت الطفلة فجأة مغشياً عليها على أرضية الصالة من كثرة الصدمة والذعر!
فاجعة المستشفى.. والصدمة الكبرى
سكتنا كلنا في ثانية واحدة. جمال وقف مذهول ووشه اصفر، وبنتي جريت على بنتها شالتها بين إيديها وهي بتصرخ وتترجاها تفتح عيونها. شيلناها وجرينا على المستشفى زي المجانين، والدموع مغرقة وشوشنا وكل همنا نلحق الطفلة البريئة.
دخلت الطفلة قسم الطوارئ، والدكاترة اتلموا حواليها. وقفنا برة، ثواني كانت أطول من عمري كله، وضربات قلبي زي الطبول. بعد دقايق حسيتها سنين، خرج الدكتور ووجهه ملوش معالم من الحزن والأسف، وبص لنا وقال بصوت واطي ومكسور: “شدوا حيلكم.. الطفلة تعرضت لهبوط حاد في الدورة الدموية وإرهاق عصبي وصدمة قلبية شديدة أدت لتوقف عضلة القلب.. البقاء لله.”
الكلمة نزلت علي زي صاعقة رعدية. حسيت إن روحي بتتسحب مني. بنتي صرخة صرخة شقت سقف المستشفى، وانهارت على الأرض في حالة هستيرية لا يمكن وصفها، بقت تحضن جثتها الصغيرة وتبكي بدموع تحرق الحجر: “قومي يا بنتي.. متسبنيش لوحدي!”
نظرة القسوة والحيرة الأبدية
في وسط انهيار بنتي وعز مأساتي، لقيت جمال بيتسحب ويشدني من دراعي على جنب. وشه أصفر زي الميت، وصوته بيترعش من الخوف والرعب، وقال لي بصوت مخنوق: “حبيبتي.. أنتِ عارفة إن اللي حصل قضاء وقدر، وغصب عني من كتر العصبية والضغط.. أرجوكِ قولي لبنتي تههدى، وماتخليش الأمور تزيد، إحنا في موقف لا نحسد عليه..”
بصيت له بعيون زايغة وجسمي كله بيترعش، مش قادرة أستوعب حجم الكارثة اللي حصلت. كنت مكسورة على حفيدتي اللي راحت في لمح البصر، وفي نفس الوقت خايفة أخسر جمال، السند الوحيد اللي لقيته في آخر أيامي.
لكن الجرح الأكبر جه من جوة الأوضة. بنتي رفعت راسها ببطء، وبصت لي بعيون حمرا مليانة نار وقهر وكره ملوش حدود.. نظرة كأنها بتغرس سكينة في صدري، نظرة كانت بتقول لي بكل وضوح: “أنتِ السبب.. أنتِ اللي دخلتيه حياتنا، وأنتِ اللي بعتيني عشان خايفة تضيعي جوزك الجديد.”
وقفت تايهة ومش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين؛ بين ابنة مكسورة خسرت بنتها وفقدت الثقة في أمها، وبين زوج بقيت أخاف أخسره وأخسر معاه آخر طوق نجاة في عمري. مأساة حقيقية اتحولت فيها الفرحة القصير لسراب ووجع ملوش آخر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




