قصص و روايات

كنت مخلفه ولد وبنت

أنا جوزي مات وسابلي ولد وبنت، ومن يومها كان الشيل ثقيل عليا. بنتي وفاء كانت هي الكبيرة، وعصام ابني الأصغر منها بفرق خمس سنين. ورغم أن وفاء الأكبر، إلا أنني كنت دائمًا أكسر كلامها قدام عصام، وأقولها: “اسمعي كلام أخوكي يا بنيتي، ده راجلك وحمايتك لما أنا أموت”. الكلام ده كان بالنسبة لعصام رخصة؛ رخصة إنه يتحكم فيها ويفرض رأيه عليها في كل صغيرة وكبيرة، وكان لو زعل من أقل كلمة تافهة منها يجي يشتكي لي، وكنت أنا للأسف ألومها هي وأضغط عليها علشان أرضيه، وكنت أقول لنفسي: “بكره يكبر ويهدى”.

 

كبروا والوضع زاد سوءًا. وفاء بقى عندها خمسة وعشرين سنة، وعصام عنده عشرين، وكان بيعاملها بقسوة وجفاء مستمر، وهي كانت بتجيلي كل مرة دموعها مغرقة وشها تشكيلي قهرتها، وكنت بكل أمانة أكرر لها نفس الجملة الخاطئة: “اسمعي كلامه، ده سندنا”.

لحد ما جه اليوم اللي غيّر كل حاجة.. كنا قاعدين على الأكل، وعصام قال بكل بساطة: “إيه رأيك يا أما؟ صاحبي كلمني وعايز يجي يخطب وفاء، بدل ما هي قاعدة كده”. وفاء بصت له بذهول شديد ورفضت تماماً، وقالت بصوت مخنوق إن الشخص ده لا يناسبها أخلاقياً ولا فكرياً، وإنها مش مجبرة توافق على حاجة تظلم بها حياتها.

عصام اتعصب، وارتفعت أصواتهم في نقاش حاد ومؤلم، وأنا بدل ما أحتضن الموقف وأقف جنب بنتي وأعدل بينهما، ضعفت قدام عناد ابني وخوفنا من المشاكل، فوقفت في صفه وضغطت على وفاء بطريقة قاسية ومؤلمة، وقولت لها كلام جارح يقلل من شأنها عشان توافق بالأمر الواقع وتخلصنا.

وفاء ما نطقَتْش بحرف واحد بعد كده.. بصت لي بنظرة عميقة، نظرة مكسورة ومفرغة من أي مشاعر، نظرة روحها هي اللي اتوفيت فيها قبل جسمها. دخلت غرفتها بهدوء غريب، ولمست الهدوء ده في البيت كله.. هدوء ما بعد العاصفة، هدوء مرعب بيقطع القلب.

مرت الأيام، ووفاء اتغيرت ١٨٠ درجة. مبقتش تتكلم، مبقتش تشكي، وبقت تخدمنا ببرود غريب ودقة تخوف، كأنها آلة مش بشر. وعصام كان شايف ده انتصار لفرض رأيه، لحد ما جه يوم كتب الكتاب، الشقة كانت مليانة ناس، وفاء خرجت ووزعت العصير على المعازيم بكل هدوء وهي لابسة أسود وشعرها منعكس عليه شحوب غريب، وقدمت لعصام كوباية خاصة وقالت له بهدوء مريب: “اشرب يا عصام.. مبروك”.

شرب الكوباية، وبعد ساعات قليلة من مشي المعازيم، عصام حس بتعب مفاجئ وشديد جداً.. ألم لا يُطاق جعله يتلوى ويبكي من شدة الوجع، وأنا جريت عليه بانهيار أصرخ وأستغيث بوفاء: “الحقي أخوكي يا وفاء! اتصلي بالإسعاف!”.

وفاء وقفت بكل هدوء وثبات، وبصت لنا وقالت بصوت بارد جداً: “الإسعاف مش هينفع.. العناب اللي شربه كان مخلوطاً بمركب كيميائي سام كنت مخبياه من زمان.. وذوقوا بقى من نفس الكأس”.

صړخت ولطمت على وشي وأنا شايفة ابني بيتعذب قدامي ومش قادرة أعمله حاجة، وجريت على الباب أستغيث، لكنها كانت أسرعت وقفلت الباب وقفلت كل طاقة أمل، ورمت المفتاح من البلكونة، وقعدت تتفرج على انهيارنا وقالت بكلمات هزت روحي: “ده عقابكم على سنين الظلم والكسر.. أنكم تشوفوني بموت بالبطيء من القهر، ودلوقتي بتذوقوا طعم القسوة اللي زرعتوها”.

ساعات طويلة وعصام بيتألم قدام عيني لحد ما توقف قلبه.. ابني راح، وراحت روحي معاه، ووفاء فتحت الباب بالنسخة الاحتياطية وخرجت بهدوء، واختفت تماماً كأن الأرض انشقت وبلعتها، ومحدش قدر يوصل لها بعدها أبداً.

الشرطة جت، وأنا دخلت المستشفى أسابيع طويلة من صدمة الانهيار والفاجعة. ودلوقتي.. أنا قاعدة لوحدي في الشقة الواسعة دي، عجوزة، مقهورة، ومشلولة من كتر الندم. ابني مات بطريقة مأساوية بسبب جبروتنا، وبنتي هربت وضاعت مني ومن نفسها، وكل كابوس بنام وأصحى عليه بيفكرني باليوم اللي ظلمتها فيه.

يا كل أم.. اتقوا الله في بناتكم، ولا تفرقوا بين ولد وبنت، فالظلم ظلمات، والقهر بيخلق جروح ما تلتئم أبداً، ومفيش حد في الآخر بيتحمل الثمن غير الأم اللي أعماها التحيز والرضا الخاطئ.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى