
مرت سنة كاملة على اليوم اللي بدأت فيه الحكاية تنكشف.
البيت القديم اتغير تمامًا.
المكان اللي كان زمان مليان خوف وخلافات، بقى بيتجمع فيه كل أفراد العيلة من غير ما حد يفرق بين ولد وبنت.
الأرض كمان اتنظمت أمورها بعد انتهاء الإجراءات، وكل واحد عرف حقوقه وواجباته.
أما أنا ووفاء وداليا وشهد، فبقينا أقرب لبعض من أي وقت فات.
وفي يوم، اقترحت وفاء فكرة:
— «إيه رأيكم نعمل حاجة باسم جدتنا؟»
بصيت لها باستغراب.
قلت:
— «بعد كل اللي حصل؟»
ابتسمت وقالت:
— «مش عشان نمجد اللي حصل.. عشان نصلح حاجة من اللي اتكسرت.»
اتفقنا إن جزءًا من عائد الأرض يتخصص لمساعدة أطفال محتاجين في البلد، خصوصًا البنات اللي ظروفهم صعبة.
ولأول مرة، اسم جدتي اتذكر في البيت من غير خوف.
مش لأننا نسينا اللي عملته.
لكن لأننا رفضنا نكمل نفس الدائرة.
في مساء هادي، كنا قاعدين كلنا على السفرة.
أبويا بص لنا وقال:
— «فاكرين أول مرة قعدنا كلنا هنا؟»
ضحكت داليا:
— «إحنا البنات كنا بنقعد بعيد.»
هز أبويا رأسه بحزن:
— «وأنا كنت ساكت.»
قلت له:
— «المهم إنك ما بقيتش ساكت.»
ابتسم وقال:
— «وعدتكم إن الغلط ده ما يتكررّش.»
نظرت إلى وفاء وداليا وشهد.
كان واضح إن كل واحدة فينا اتغيرت.
وفاء بدأت مشروعها الخاص.
داليا رجعت تكمل دراستها.
شهد اشتغلت في مجال كانت بتحبه من زمان.
وأنا بدأت أكتب كل اللي حصل لنا، مش عشان أفضح حد، ولا عشان أنتقم.
كنت بكتب عشان أي بنت تقرأ الحكاية تعرف إن خوفها مش لازم يفضل مسيطر عليها طول عمرها.
وفي ليلة، فتحت الدرج القديم اللي كان في غرفتي.
لقيت فيه صورة لنا وإحنا أطفال.
أربع بنات واقفين جنب بعض.
مسكت الصورة وفضلت أبص لها فترة طويلة.
افتكرت كل حاجة.
الخوف.
القسوة.
التمييز.
السنين اللي كنا فاكرين فيها إننا السبب في مشاكل العيلة.
وبعدين ابتسمت.
لأن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
إحنا ما كناش المشكلة.
إحنا كنا مجرد أطفال حاولوا يعيشوا وسط خلافات الكبار.
قفلت الدرج، ونزلت للصالة.
لقيت البنات الثلاثة مستنييني.
وفاء قالت:
— «يلا يا خلود.»
سألتها:
— «رايحين فين؟»
ضحكت:
— «نتمشى.»
ضحكت أنا كمان.
خرجنا الأربعة من البيت، ومشينا في نفس الشارع اللي كنا زمان بنخاف نخرج فيه.
لكن المرة دي كنا بنمشي براحتنا.
رفعت عيني للسماء، وحسيت إن طفولتي أخيرًا سابتني.
مش لأن اللي حصل اختفى.
لكن لأن اللي حصل ما بقاش يتحكم في حياتي.
ومن بعيد، بصيت للبيت القديم للمرة الأخيرة.
وفهمت إن بعض النهايات مش معناها إن كل الذكريات تختفي.
النهاية الحقيقية هي إنك تقدر تفتكر الماضي من غير ما يرجع يكسرك.
جدتي كانت عايزة تتحكم في مستقبل العيلة بعد رحيلها.
لكنها ما قدرتش.
لأنها نسيت أهم حقيقة:
الإنسان ممكن يترك وراءه أموالًا وأرضًا وبيوتًا..
لكن اللي بيفضل فعلًا هو أثره في الناس.
وإحنا قررنا إن أثرها ما يكونش هو اللي يحدد حياتنا.
قررنا نبدأ من جديد.
من غير خوف.
من غير تمييز.
ومن غير ما حد يقول لنا إننا أقل قيمة لمجرد إننا بنات.
ومشينا الأربعة جنب بعض.
المرة دي، ما كانش حد بيهرب.
كنا راجعين نعيش حياتنا بإرادتنا.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن أصعب موقف عديت به، ما بقولش إن أصعب حاجة كانت اللي حصل في البيت.
بقول:
«أصعب حاجة كانت إني صدقت فترة طويلة إن المشكلة فيا.»
وبعدين أبتسم وأكمل:
«وأجمل حاجة إني عرفت الحقيقة قبل فوات الأوان.»
الحقيقة إنك مش مسؤول عن ظلم حد ليك.
لكن مسؤول إنك ما تسمحش للظلم إنه يحولك لشخص يشبه اللي ظلمك.
وده كان آخر درس تركته لنا جدتي..
من غير ما تقصده.




