
كانت جدتي بتفضل خلفة الولاد، وطول عمرها بتعاملني أنا وبنات عمي بقسوة شديدة. ولما حست إن وقتها قرب، جمعتنا وأصرت تعمل لنا الأكل بإيديها. الكل سامحها وقعد جنبها، إلا أنا. أخدت شنطتي ومشيت. وقبل ما أوصل، جاتلي مكالمة من أمي وهي بتعيط وبتقول: «الحمد لله إنك مشيتي يا بنتي!»
لو هنختار أكتر بني آدمة على وش الأرض بتحب الولاد، فبدون شك هي جدتي. تعلقها بفكرة الولد ورغبتها في إن يكون للعيلة حفيد ذكر وصلت لدرجة غير طبيعية. لكن الغريب إن ربنا كأنه كان بيختبرها.
عمي الكبير، وأبويا، وعمي الصغير.. التلاتة إخوات، ولا واحد فيهم كان عنده ولد.
عمي الكبير خلف بنت واحدة اسمها «وفاء». وأبويا مفيش غيري.. «خلود». وعمي الصغير جاب بنتين.. «داليا» و«شهد».
أربع بنات.. ومفيش ولد واحد يشيل اسم العيلة!
عشان كده، من صغرنا وإحنا بنسمع جملة واحدة جدتي بتكررها باستمرار:
— «أكيد العيلة فيها حاجة غلط!»
— «تلات رجالة مش عارفين يجيبوا لي ولد يشيل اسمنا؟!»
— «خلفة بنات.. بكرة يروحوا لبيوتهم وياخدوا خيرنا معاهم!»
كل عيد كانت ترفض إن أولادها يدونا مصروف العيد زي باقي الأطفال، وتقول:
— «البنات رايحين لبيوتهم.. اللي يديهم فلوس كأنه بيرميها في البحر!»
وحتى الأكل كان له نصيب من معاملتها القاسية. لما كانوا يطبخوا لحمة، كانت تنادي على عمي وأبويا وعمي الصغير يقعدوا على الترابيزة ياكلوا، وإحنا الأربعة نقعد بره على باب المطبخ، كل واحدة في إيدها حتة عيش.
لما كان عندي سبع سنين، ريحة اللحمة جذبتني. أول ما جدتي أدت ضهرها، تسحبت بهدوء ومسكت حتة صغيرة من الطبق.
لكنها شافتني.
أخدت منها عقاب قاسي خلاني أخاف أقرب من أكلها بعد كده. إيدي فضلت موجوعة أيام، ومن يومها أي أكل من إيدها حرمت ألمسه.
عشان كده، لما أبويا كلمني بعد أكتر من عشرين سنة وقالي إن جدتي في أيامها الأخيرة وطالبة تشوف البنات الأربعة للمرة الأخيرة، أول إحساس جالي ما كانش حزن ولا شفقة.
كان خوف وشك.
سألت أبويا:
— «هي جدتي عاوزة تشوفني أنا بالذات؟»
أبويا سكت شوية وقال:
— «أيوه يا خلود.. قالت عاوزة تشوفكم الأربعة قبل ما تفارق.»
قلت له:
— «مش دي اللي كانت بتقول إن مجرد وجودنا بيضايقها؟ إيه اللي اتغير دلوقتي؟»
أبويا رد بقلة حيلة:
— «يا خلود.. عارف إن القديم لسه مأثر فيكي، بس الست تعبانة. تعالي شوفيها نظرة أخيرة وخلاص.»
في الآخر اضطريت أستأذن من شغلي، وأخدت القطر ونزلت البلد.
أول ما دخلت البيت القديم، لقيت القرايب كلهم متجمعين. عمي الكبير، عمي الصغير، أبويا وأمي، وبنات عمي: وفاء وداليا وشهد كانوا وصلوا قبلي.
جدتي كانت نايمة على السرير في الصالة الكبيرة. كانت ضعفت جدًا عن آخر مرة شفتها. وشها شاحب، وشعرها الأبيض على المخدة، ونفسها متعب.
لكن أول ما لمحتنا إحنا الأربعة، حاولت تسند نفسها وتقول:
— «جيتوا كلكم؟ تعالوا.. اقعدوا جنبي.»
وما حدش فينا كان متوقع الكلام اللي قالته:
— «زمان.. أنا ظلمتكم كتير يا بناتي.»
الصالة كلها سكتت.
أنا فضلت واقفة مكاني. جدتي بتعتذر؟ الست اللي عمرها ما قالت كلمة طيبة في حقنا جاية تطلب السماح؟
دموعها نزلت على وشها وقالت:
— «أنا عشت عمري كله وأنا فاهمة الدنيا غلط. كنت فاكرة إن العيلة هتنتهي لو مفيش ولد.. وكان قلبي بيتعصر كل ما أشوفكم.»
— «بس وأنا هنا الفترة اللي فاتت فكرت كتير.»
— «إنتوا برضه من دمي.. وأنا اللي ظلمتكم.»
داليا بدأت تمسح دموعها، وشهد دورت وشها وهي بتعيط، وحتى وفاء تأثرت.
أنا بس فضلت باصة لها بجمود.
كل ما كانت بتتكلم، كل ما كان قلبي بيقول لي إن في حاجة غلط.
وفجأة.. جدتي زقت الغطاء وحاولت تقوم.
عمي الكبير اتخض:
— «يا أمي رايحة فين؟ إنتِ تعبانة!»
قالت:
— «قبل ما أمشي، عاوزة أعمل لكم أكلة بإيدي زي زمان، وأحط لكم فيها من الأكل اللي كنت بحرمكم منه.»
عمي حاول يمنعها، لكنها أصرت.
داليا وشهد جريوا عليها:
— «يا ستي خلاص، إحنا مش زعلانين منك!»
ووفاء قامت تساعد في تجهيز المطبخ.
الثلاثة اشتغلوا معاها.
وأنا واقفة في نص الصالة، ببص على ضهرها وهي داخلة المطبخ.
وفكرت في جملة واحدة:
«مش صح.. اللي بيحصل ده مش طبيعي.»
ست عاشت عمرها كله شايفانا بلا قيمة، وكانت تستخسر فينا أبسط الأشياء.. ليه فجأة، وقبل ما تفارق بساعات، تصر تعمل لنا الأكل بنفسها؟
كل ما أفكر في الموضوع، أحس إن فيه حاجة غلط.
وفي الآخر، وسط كلام العيلة واتهاماتهم ليا إني قاسية، سحبت شنطتي ومشيت من البلد في نفس اليوم.
وأول ما نزلت من القطر، موبايلي نور بعشرات المكالمات، وجروب العيلة كان مليان رسائل.
وفجأة لقيت مكالمة أمي.
صوتها كان بيرتعش:
— «يا خلود.. الحمد لله إنك ما أكلتيش!»
— «إنتِ مش متخيلة ستك كانت ناوية تعمل إيه!»
فتحت فيديو لسه نازل على جروب العيلة.
وبمجرد ما شفت أول ثواني، جسمي كله اتجمد.
الفيديو كان متصور من بعيد، والمطبخ القديم مليان حركة وصوت عالي.
جدتي كانت واقفة قدام صينية الأكل، وفي إيدها عبوة غريبة.
المريب إن أفراد العيلة اكتشفوا إن محتوى العبوة غير مناسب للطعام، وإن جدتي كانت بتحاول تضيفه للأكل قبل ما يتم إيقافها.
وفجأة، صوت عمي الصغير ظهر في الفيديو وهو بيصرخ:
— «ابعدي عن الأكل! إنتِ بتعملي إيه؟!»
الفيديو انتهى على صراخ البنات، ودخول أبويا وعمامي للمطبخ.
أمي كانت بتشهق في التليفون:
— «الحمد لله إنك مشيتي يا خلود.. شهد لاحظت إن في حاجة غريبة، واستدعت عمك، ولما دخلوا اكتشفوا اللي كانت بتحاول تعمله!»
قفلت مع أمي وأنا إيدي بتترعش، وركبت أول وسيلة راجعة للبلد.
مش عشان خايفة على جدتي، ولا عشان أسامحها.
رجعت عشان أقف جنب بنات عمي وأعرف الحقيقة كاملة.
طول الطريق، شريط حياتنا كان بيمر قدام عيني.
افتكرت أيام طفولتنا، وإزاي كنا بنقف بعيد عن سفرة العيلة، وإزاي جدتي كانت بتعاملنا كأننا أقل من باقي أفراد الأسرة.
وصلت البيت القديم وقت الفجر.
الشارع كان مليان ناس من أهل البلد.
دخلت البيت، ولقيت الصالة مقلوبة، وكل واحد واقف في مكانه ومش مستوعب اللي حصل.
بنات عمي كانوا قاعدين جنب بعض.
أول ما شافوني، داليا جريت عليّ وارتمت في حضني وهي بتترعش:
— «كانت بتحاول تأذينا يا خلود.. كانت بتعتذر لنا عشان نثق فيها!»
في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة من الأوضة اللي كانت جدتي فيها.
الكل اتجمد.
وبعد لحظات، خرجت جدتي وهي متعبة جدًا، وسندة على العكاز.
بصت في وشوشنا واحد واحد، ولما عينيها جت في عيني، قالت:
— «رجعتي يا خلود؟»
عمي الكبير صرخ:
— «ليه يا أمي؟ ليه تعملي كده في بناتنا؟ دول من دمك!»
جدتي ردت بغضب:
— «وجودهم كان دايمًا بيفكرني إن العيلة مفيهاش ولد! كنت عاوزة أحافظ على الأرض والاسم بأي طريقة.»
أنا ما قدرتش أمسك نفسي.
الخوف اللي كان جوايا وأنا طفلة تحول لغضب.
بصيت في عينيها وقلت:
— «أنتِ مش زعلانة من قلة الولاد يا جدتي.. أنتِ ظلمتي بناتك وحفيداتك بسبب فكرة غلط عيشتي عمرك كله مصدقاها!»
جدتي ردت:
— «فاكرة إنك نجتي؟ الأرض دي مش هتروح لكم. قبل ما أمشي، أنا رتبت كل حاجة.»
وفجأة، تعبت جدًا واضطرت العيلة تساعدها على الجلوس.
وبعد وقت قصير، حضر المحامي ومعاه ملف كبير.
قال:
— «المرحومة طلبت مني أبلغكم بقرارها الأخير.»
ساد الصمت.
فتح المحامي الملف وقال:
— «المرحومة كانت عملت مجموعة من التصرفات القانونية المتعلقة بالبيت والأرض، وفيها شروط تخص البنات الأربعة.»
كانت الصدمة إن الشروط تضمنت تنازل البنات عن حقوقهن، وربط بعض الحقوق بقرارات شخصية تخص حياتهن.
عمي الصغير انفعل:
— «يعني إيه؟! هتجبر بناتي يعملوا حاجة مش عاوزينها؟!»
المحامي رد:
— «أنا مجرد ناقل لما هو مكتوب. صحة هذه الأوراق وشروطها يحددها القانون والمحكمة.»
في اللحظة دي فهمت إن المشكلة أكبر من مجرد خلاف عائلي.
مشيت قدام المحامي، وأخدت الورق وبصيت في الملحق.
كان فيه اسم شاهد أعرفه كويس: الشيخ عبد التواب.
الشخص ده كان بينه وبين جدتي سر قديم.
افتكرت سنة 2016، لما حصل خلاف كبير متعلق بمزرعة عيلة الشريف، ووقتها سمعت كلامًا مريبًا بين جدتي وعبد التواب.
كنت وقتها صغيرة، لكني ما نسيتش المشهد.
والأهم إني كنت محتفظة بدليل قديم من كاميرا مراقبة كانت موجودة في البيت.
أخرجت ذاكرة قديمة من شنطتي وقلت للبنات:
— «جدتي افتكرت إنها بالورق ده كسبت.. لكنها نسيت إن في حاجات قديمة ممكن تغيّر كل اللي حصل.»
وفي اليوم التالي، حضر عبد التواب.
كان واضح عليه التوتر.
وقبل ما يتم توقيع أي شيء، وقف وقال:
— «أنا بسحب شهادتي من الملحق ده، وأطلب مراجعة كل المستندات قانونيًا.»
المحامي بدأ يراجع الأوراق، واتضح إن هناك نقاطًا تحتاج إلى تحقيق رسمي.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن انتهت بعد.
فجأة وصلت مجموعة من رجال عيلة الشريف، ومعهم مستندات جديدة.
دخل مسؤول رسمي ومعاه أوراق، وقال:
— «في مستندات تتعلق بملكية الأرض والتزامات مالية قديمة، ولازم يتم فحصها قبل أي تصرف.»
العيلة كلها اتصدمت.
اتضح إن جدتي كانت دخلت في ترتيبات مالية معقدة، وإن جزءًا من الأرض كان مرتبطًا بعقود قديمة والتزامات لم نكن نعرف عنها شيئًا.
لكن أنا كنت مصممة إننا ما نستسلمش.
اتصلت بمحامينا وقلت له:
— «راجع كل المستندات، وافحص العقود القديمة، وأي ورقة فيها شبهة تلاعب لازم تتعرض للجهات المختصة.»
وبالفعل بدأت الإجراءات القانونية.
وبينما الكل كان بيحاول يفهم اللي حصل، ظهرت مفاجأة جديدة.
طلع اسم شخص غريب في بعض الأوراق، باعتباره مستفيدًا من جزء من الممتلكات.
وبعد ساعات، وصلت عربية وخرج منها شاب في أواخر العشرينيات.
كان شبه أبويا وعمامي بشكل واضح.




