
«بعد 8 سنين من بنتي… شفت ست غريبة لابسة نفس الهدوم اللي كانت بنتي لابساها يوم اختفائها.
ولما وريتها صورة بنتي، مسكت إيدي وقالتلي جملة خلت الدم يهرب من وشي:
“خبّي الصورة… هي مينفعش تعرف إنك هنا.”»
من اللحظة دي، عرفت إن اختفاء بنتي مريم من 8 سنين ماكانش حادثة عادية.
مريم كان عندها 16 سنة يوم .
كنا على شاطئ زحمة جدًا، وقضينا اليوم عادي، لحد ما قالتلي إنها هتمشي لآخر الشاطئ عند محل الآيس كريم.
شفتها وهي بتبعد وسط الناس.
وآخر حاجة فاكرها من اليوم ده… إني كنت ببص عليها وبفكر قد إيه طولت عن السنة اللي فاتت.
عدّى حوالي عشرين دقيقة.
فوطة مريم كانت لسه جنبي.
صندلها كان فوقها.
وموبايلها كان جوه شنطة البحر، ومقلوب على ضهره.
في الأول قلت يمكن اتأخرت أو اتلهت.
لكن بعدها بدأت أقلق.
وخلال دقائق، الدنيا كلها اتقلبت.
رجال الإنقاذ دوروا في المية.
والشرطة فتشت الحمامات، ومواقف العربيات، والفنادق القريبة، وكل الطرق اللي خارجة من الشاطئ.
لقوا محل الآيس كريم.
لكن ولا موظف افتكر إنه شاف مريم.
ولا حد عرف هي راحت فين.
كأنها… اختفت من على وش الأرض.
وكانت مريم يومها لابسة كاش مايوه تركواز، أمي كانت خياطاهولها بإيديها قبل الرحلة بشهور.
جدتها كانت مطرزة حروف اسمها من جوه عند آخر طرف في القماش:
«م. ع.»
وفي أول يوم لينا على البحر، القماش اتعلق في قطعة خشب واتقطع.
أمي أصلحته بخيط أصفر، وخاطت فوق مكان القطع شمس صغيرة.
الشمس طلعت مائلة شوية.
ولما مريم شافتها ضحكت وقالت:
«كده باظ خالص.»
أمي ابتسمت وقالتلها:
«بالعكس… كده بقى مميز.»
مريم لمست الغرزة وقالت:
«على فكرة، أنا حبيته كده أكتر.»
وماكنتش أعرف وقتها إن الكاش مايوه ده هيبقى واحد من آخر الحاجات اللي هتربطني ببنتي.
قبل اختفائها بحوالي أربعين دقيقة، كنت صورتها بالموبايل.
كانت واقفة حافية على الرمل، بتضيق عينيها من الشمس ورافعة إيدها قدام وشها عشان أبطل أصورها.
احتفظت بالصورة دي 8 سنين.
الشرطة كان معاها نسخة.
والجرائد نشرتها.
والمتطوعين طبعوها على آلاف المنشورات.
لكن مريم ما رجعتش.
لحد اليوم اللي جوزي أحمد أقنعني أخيرًا أسافر معاه كام يوم لمدينة ساحلية تبعد عن بيتنا مئات الكيلومترات.
كنت رافضة أروح أي مكان فيه بحر من يوم اختفاء مريم.
حتى صوت الأمواج كان كفاية يرجعني لليوم ده بكل تفاصيله.
لكن أحمد فضل يطلب مني.
وفي الآخر وافقت.
كنا ماشيين جنب ممشى البحر، وبنحاول نقضي اليوم من غير ما نقرب من الشاطئ.
وفجأة…
شفت ست واقفة قدام كافيه صغير.
كانت مدياني ضهرها.
شكلها في أواخر الأربعينات أو أوائل الخمسينات.
لكن اللي شد انتباهي مش هي.
كان اللي لابساه.
كاش مايوه تركواز باهت.
قلبي دق بعنف قبل حتى ما عقلي يستوعب.
قلت لنفسي:
مستحيل.
اللون ده موجود في كل حتة.
أكيد مجرد تشابه.
لكن في اللحظة اللي هبت فيها نسمة هوا ورفعت طرف القماش…
شوفت الشمس الصفراء الصغيرة.
نفس الغرزة المايلة.
نفس المكان.
نفس الكاش مايوه.
رجلي اتحركت لوحدها.
سيبت أحمد ورايا ومشيت ناحية الست.
وقفت خلفها وقلت بصوت مرتعش:
«لو سمحتي… إنتِ جبتي الكاش مايوه ده منين؟»
الست لفت ناحيتي.
بصت للهدوم اللي لابساها، وقالت:
«ده؟»
قلت:
«أيوه… ده.»
ملامحها اتغيرت.
وقالت بهدوء:
«أنا عندي من سنين.»
إيدي بدأت ترجف.
طلعت موبايلي.
وقع مني مرة.
ولما حاولت أفتحه وقّع مني تاني تقريبًا.
وبعد محاولات، أخيرًا فتحت الصورة.
صورة مريم وهي عندها 16 سنة.
واقفة على الشاطئ.
ولابسة نفس الكاش مايوه.
ونفس الشمس الصفراء المايلة كانت ظاهرة عند طرفه.
مديت الموبايل للست.
ثواني طويلة عدت من غير ما تتكلم.
فضلت تبص للصورة.
وبعدين بصتلي.
وفجأة…
بصت ورايا.
ملامح وشها اتبدلت تمامًا.
مدت إيدها بسرعة، ومسكت رسغي.
وقربت مني وهمست:
«خبّي الصورة… بسرعة.»
اتجمدت مكاني.
قلت:
«إيه؟ ليه؟»
ضغطت على إيدي أكتر، وقالت بصوت منخفض جدًا:
«هي مينفعش تعرف إنك هنا.»
في اللحظة دي، بصيت ورايا…
واللي شوفته خلاني أنسى حتى إني أتنفس.
واللي شوفته خلاني أنسى حتى إني أتنفس.
كانت فيه بنت واقفة على الناحية التانية من الشارع.
لابسة نظارة شمس كبيرة، وشعرها مربوط للخلف، وبتبص ناحيتنا من غير ما تتحرك.
لكن حاجة واحدة شدت انتباهي…
كانت بتبص للست اللي قدامي.
الست قربت مني أكتر وهمست:
«ما تبصيش عليها تاني… ومتخليشها تشوف وشك.»
قلت وأنا مش فاهمة:
«مين دي؟ ومين إنتِ أصلًا؟ وإيه بنتي بيكي؟»
وشها اصفر.
وقالت:
«أنا مش اللي المفروض تسأليه الأسئلة دي… إنتِ لازم تمشي من هنا حالًا.»
مسكت إيدي وبدأت تسحبني ناحية مدخل الكافيه.
لكن قبل ما أدخل، سمعت صوت البنت من ورايا:
«ماما؟»
الست وقفت مكانها.
وأنا حسيت إن قلبي وقع في الأرض.
ماما؟!
بصيت للست، ثم للبنت.
البنت خلعت نظارتها.
وفي اللحظة دي، الدنيا كلها اختفت من حواليا.
لأن ملامحها…
رغم إنها كانت أكبر من الصورة بسنين…
لكن عينيها كانت نفس عيون مريم.
نفس النظرة.
نفس الطريقة اللي كانت بتضيق بيها عينيها لما الشمس تكون قوية.
اتسمرت مكاني.
وخرجت مني الكلمة من غير ما أحس:
«مريم؟»
البنت شهقت.
والست حطت إيدها على بوقي بسرعة.
لكن البنت كانت سمعتني.
قربت خطوة وقالت:
«إنتِ… تعرفي الاسم ده منين؟»
قبل ما أرد، الست صرخت:
«ادخلي جوه!»
البنت بصتلها باستغراب.
وفي اللحظة دي، ظهر أحمد وهو بيجري ناحيتي.
أول ما شاف البنت، وقف.
بصلي.
وبعدين بص لها.
وشه اتغير بشكل عمري ما شفته عليه.
قال بصوت منخفض:
«سحر… إحنا لازم نمشي.»
بصيت له مصدومة:
«إنت عارفها؟»
ما ردش.
قلت بصوت أعلى:
«أحمد! إنت عارف البنت دي؟»
البنت نفسها بدأت تبص بينا بحيرة.
لكن الست كانت أسرع.
طلعت من جيبها ظرف صغير ومدتهولي.
وقالت:
«لو لسه عايزة تعرفي بنتك راحت فين من 8 سنين… افتحي الظرف ده لوحدك.»
بصيت للظرف.
كان مكتوب عليه بخط اليد:
«إلى أم مريم… لو وصلتي لهنا، يبقى هم عرفوا إنك رجعتي تدوري عليها.»
رفعت عيني للست.
«مين هم؟!»
لكنها ما ردتش.
لأن في اللحظة نفسها، عربية سوداء وقفت قدام الكافيه.
والبنت أول ما شافتها…
وشها اتجمد.
وقالت:
«لا… مش تاني.»
ثم همست:
«ماما… لازم نستخبى.»
فتحت الظرف بإيدين مرتعشتين.
وكان جواه صورة قديمة لمريم وهي عندها 16 سنة… لكن الصدمة إن الصورة ما كانتش من يوم اختفائها.
كانت مريم واقفة في مكان مغلق…
وبجانبها ثلاث بنات تانيين.
وعلى ظهر الصورة مكتوب:
«مريم لم تختفِ… مريم كانت واحدة من أربع.




