
لم تكن الكلمات مجرد كلمات كانت حجارة. شعرت تيريزا بالاستفزاز لكنها لم تسمح لنفسها بالرد بالغـ,ـضب. قالت لا أستسلم بسهولة. أطلقت سيباستيانا ضحكة جافة مرة ورحلت تاركة في فمها ذلك الطعم الذي تتركه الإهانة حين يبتلعها المرء ليواصل السير.
وواصلت. لأسابيع كانت تيريزا تحمل الماء من البئر المشتركة على مسافة تقارب نصف ساعة سيرا. كانت آنا ترافقها بخطواتها القصيرة تحمل ما استطاعت من صفيحة صغيرة سعيدة لأنها تشعر بأنها مفيدة. وكانت روزا تنام في الظل حين يشتد الحر. زرعت تيريزا الفاصولياء والذرة والقرع أنفقت آخر ما تملك من مال على البذور كما ينفق على الأمل. سقت بدلاء ثقيلة. ومع ذلك لا شيء. كانت البراعم
تخرج ضعيفة ترتجف يومين ثم تمـ,ـوت كأن الأرض ترفضها.
في القرية لاحقتها الهمسات. مسكـ,ـينتان تعانيان بسبب عناد أمهما. ستعود مكسورة الخاطر. كانت تيريزا تسمع وكل عبارة تضغط على صدرها. لكنها حين تعود إلى الأرض وترى آنا تدندن تحت شجرة يابسة وروزا بوجهها الهادئ تتذكر لماذا هي هنا لأن هاتين الطفلتين لا يجوز أن تكبرا وهما تتعلمان أن العالم يقرر بدل المرأة. وفي الليل بيدين موجوعتين وظهر معقود من التعب ركعت تيريزا قرب الفراش المرتجل وصلت بصوت خافت يا رب لا أعلم إن كنت أحسنت الاختيار لكنني هنا الآن. ابنتاي تحتاجان إلي. امنحني القـ,ـوة وإن كانت في هذه الأرض بركة مدفونة فأرشدني إليها.
في صباح اليوم التالي اتخـ,ـذت قرارا بدا يأسا لكنه كان في الحقيقة إيمانا متشبثا بالأظافر. إن لم تعط السطح ثمرا فستحفر أعمق. اختارت ركنا من الأرض وبدأت تحفر حفرة كبيرة لا حفرة بذرة بل تجويفا يقارب مترين. كانت كل ضـ,ـربة معول جدالا مع الأرض وكل حركة تطلب منها أعواما من العمر. سخر الجيران إنها تحفر قبرها بيدها. لم تجب. واصلت الحفر.
يوما بعد يوم ازدادت الأرض قسوة واشتد الإرهاق. وفي إحدى الليالي سألتها آنا وهي مستلقية على الفراش الرقيق أمي هل سنرحل شعرت تيريزا كأن شيئا يمزق في داخلها.
قالت لا
يا ابنتي. أحيانا يقول الناس إننا لا نستطيع لأنهم لم يجرؤوا على المحاولة حقا. لكننا لن نستسلم. التصقت آنا بها وهمست أنا أصدقك. كانت تيريزا تكذب لتحميها لأن الخـ,ـوف في داخلها كان يتكلم هو الآخر.
ثم جاء الصباح الذي تغير فيه صوت الأرض.
نزلت تيريزا إلى الحفرة وقد أصبحت عميقة إلى حد أنها تكاد تختفي داخلها. كانت آنا عند الحافة تدفع التراب بقدمها وتخترع أغنية. غرست تيريزا المعول وشعرت بأن الأرض تستجيب بشكل مختلف كأنها أخيرا أرخت فكها. تجمدت في مكانها وقلبها يطرق أضلاعها. حفرت ثانية. كانت التربة رطبة. قالت آنا ابتعدي قليلا بصوت خرج من روحها لا من حنجرتها. حفرت أسرع ويداها ترتجفان. وسمعت همسا. لم يكن ريحا ولا حشرة. كان شيئا حيا تحت الأرض.
ماء.
في البداية خرج ببطء كدمعة خجولة. ثم كأن الأرض تنفست ارتياحا بدأ الماء يرتفع بقـ,ـوة يملأ قاع الحفرة يبلل ساقيها يخرج صافيا باردا لا يصدق. تركت تيريزا الأداة وسقطت على ركبتيها في الطين الذي تحول نهرا. ضحكت وبكت في آن واحد غارسة يديها كمن يلمس معجزة ليصدقها. آنا! ماء! لدينا ماء! اقتربت آنا بعينين متسعتين. من أين جاء يا أمي نظرت إليها تيريزا ووجهها مبلل ولم تستطع إلا أن تقول الحقيقة التي شعرت بها من الله
يا ابنتي من الله.




