قصص و روايات

14 ممرضة

في أحد المستشفيات الهادئة على أطراف المدينة، بدأ أمر غريب يثير الريبة بين الطاقم الطبي؛ حيث بدأت ممرضات القسم تتوالى عليهن حالات الحمل بطريقة غير مألوفة، وجميعهن يشتركن في نقطة واحدة تتمثل في رعايتهن للمريض “ريكاردو”، الرجل الذي يرقد في غيبوبة تامة منذ أكثر من عشر سنوات داخل الغرفة رقم 208.

 

في البداية، اعتقد الدكتور إيمانويل، الطبيب المسؤول، أن ما يجري مجرد مصادفة بحتة، لكنه حين لاحظ تكرار الأمر مع كل ممرضة تعمل لفترة بالقرب من المريض، بدأ القلق يتسلل إلى تفكيره، مما دفعه لاتخاذ قرار بتركيب كاميرا مراقبة خفية داخل الغرفة لكشف الحقيقة خفية.

وفي صباح إحدى الأيام، وبينما كانت الممرضة جيسيكا تؤدي مهامها الروتينية بجوار السرير، شعرت فجأة بدوار شديد ومغص حاد، فأسرعت بالتوجه إلى الحمام، بينما راقبها الطبيب بعينين قلقلتين، ونطق بكلمات خافتة يعبر فيها عن هواجسه المقلقة.

وعندما عادت جيسيكا وهي تحاول التماسك، سألها الطبيب عن حالتها، وما إن همّت بمساعدة المريض وتغيير المحلول الوريدي حتى عاودها التعب وسقطت على الأرض، فسارع الطبيب لإسنادها والاطمئنان عليها. وفي تلك اللحظة دخلت الممرضة تمارا، ولاحظ الطبيب حينها علامات الحمل الواضحة عليها، مما زاد من غموض الموقف وريبته، فطلب منها مراقبة المريض بينما يصطحب جيسيكا لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة للتأكد من وضعها الصحي.

في تلك اللحظة، شعر الدكتور إيمانويل أن الأمور بلغت حدًا لا يمكن السكوت عنه، فقرر العودة فورًا إلى مكتبه للتحقق ممّا تسجله كاميرات المراقبة الخفية التي زرعها في الغرفة رقم 208. جلس أمام شاشة العرض المرتجفة أصابعه، وبدأ يراجع تسجيلات الأيام السابقة بحثًا عن أي تفسير منطقي لهذا اللغز المحير.

وما هي إلا دقائق معدودة حتى ظهرت المفاجأة على الشاشة؛ فقد أظهرت اللقطات تحركات غير معتادة لبعض الأشخاص غير المصرح لهم ممن كانوا يستغلون ساعات الليل المتأخرة وتراخي الرقابة للدخول إلى الغرفة والعبث بالأجهزة أو ترك مواد غريبة تؤثر على سلامة النزلاء والطاقم الطبي. لم يكن الأمر خارقًا للطبيعة كما ظن الجميع، بل كان خرقًا أمنيًا خطيرًا وممنهجًا يقوده شخص من داخل المستشفى بالتعاون مع أطراف خارجية بهدف إخفاء ملفات طبية والتلاعب بالنتائج لأغراض غير مشروعة.

على الفور، لم يتردد الدكتور إيمانويل في الاتصال بالجهات الأمنية المختصة وإبلاغ إدارة المستشفى رسمياً بكل ما وثقته الكاميرات. في غضون ساعة واحدة، وصلت الشرطة إلى عين المكان، وقامت بتطويق المبنى وتوقيف المتورطين المتلبسين بأفعالهم، ليتكشف الحقائق الكاملة وتعود الطمأنينة تدريجيًا إلى أقسام المستشفى بعد ليلة طويلة من الشك والغموض.

وما إن عاد الدكتور إيمانويل إلى غرفته حتى أغلق الباب بحذر، وفتح ملف التسجيلات على حاسوبه الشخصي ليفحص ما رصدته الكاميرا الخفية طوال الأيام الماضية في الغرفة 208. كانت دقات قلبه تتسارع مع كل ثانية تمر، وهو يتساءل عما يخفيه ذلك السكون الطويل للمريض ريكاردو.

بدأت اللقطات تتحرك على الشاشة ببطء؛ أسبوع كامل من الساعات الصامتة، مرور الممرضات، وفحوصات الأجهزة الروتينية. لكن في منتصف إحدى ليالي الأسبوع الماضي، ظهر ما لم يكن في الحسبان. أظهرت التسجيلات شخصًا ملثماً ينزلق بهدوء داخل الغرفة المظلمة في وقت متأخر من الليل، ممسكًا بعبوات وحقن غامضة.

لم يكن ريكاردو نائماً بفعل الغيبوبة الطبيعية وحدها، بل كان هناك من يتلاعب سرًا بالجرعات والعقاقير الطبية المقدمة له، مستغلًا هشاشة وضعه الصحي لتنفيذ تجارب محظورة ومشبوهة تورطت فيها شبكة خفية تضم بعض أفراد الطاقم الطبي ممن فقدوا ضمائرهم. وكانت أعراض الغثيان والإعياء التي تصيب الممرضات ناتجة عن تسرب أو تفاعل تلك المواد الكيميائية الخطيرة داخل محيط الغرفة بسبب سوء الاستخدام والتخلص غير الآمن من النفايات الطبية المرتبطة بتلك التجارب.

شعر الدكتور إيمانويل بصدمة بالغة وهو يرى الحقيقة تتكشف أمام عينه بوضوح قاطع، وأدرك أن الأمر أكبر بكثير مما توقع. بدون أي تردد، التقط هاتفه وسارع بالاتصال بالشرطة والإدارة العليا للمستشفى، موجهًا نداءً عاجلاً لإنقاذ الموقف قبل فوات الأوان.

وفي غضون دقائق معدودة، اقتحمت قوات الأمن المستشفى، وحاصرت المبنى بالكامل، وألقت القبض على المتورطين متلبسين بأدلة الجريمة قبل أن يتمكنوا من الفرار. وفتحت النيابة تحقيقاً موسعاً لتفكيك تلك الشبكة بالكامل، بينما عادت السكينة تدريجياً إلى أروقة المستشفى، وتنفس الجميع الصعداء بعد انجلاء الحقيقة الكبرى التي أخفتها جدران الغرفة رقم 208 لسنوات طويلة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى