
# رواية قبل الحكم بدقائق
### للكاتب عادل عبد الله
## الحلقة الأولى
كانت عقارب الساعة تشير إلى الخامسة صباحًا، عندما جاء حارس السجن وفتح باب الزنزانة ونادى عليها.
استيقظت أحلام مذعورة من نومها على صوته القوي وسط سكون المكان، وقالت وهي تنظر إليه بخوف:
“إيه يا حضرة الصول؟ دلوقتي خلاص؟”
أشار إليها بنعم.
قالت بصوت مرتجف:
“من ساعة ما لبست البدلة دي، وأنا كل ليلة بقوم من النوم مفزوعة وخايفة من اللحظة دي.”
رد الحارس:
“يلا، علشان مأمور السجن مستنيكي تحت.”
قالت بسرعة:
“طيب ممكن أتوضى وأصلي؟”
رد:
“هننزل تحت الأول، وهو هيسمحلك تصلي وتطلبي كل اللي إنتِ عاوزاه.”
“حاضر.”
قامت أحلام، وكان جسدها يرتجف من شدة الخوف، والدموع تنزل من عينيها وهي تردد:
“أنا مظلومة… أنا مظلومة… هما السبب، والله هما السبب.”
نزلت أحلام، ثم أدخلها المأمور إلى غرفة هادئة لتصلي.
وقفت أحلام تصلي في خشوع، وتدعو الله أن يغفر لها ويرحمها، حتى انتهت من صلاتها.
نظر إليها المأمور وقال:
“عاوزة حاجة قبل ما نكمل الإجراءات؟ مش باقي وقت كتير.”
رفعت أحلام عينيها وقالت:
“عاوزاكم تسمعوني وتعرفوا اللي حصل. وقولولي… لو أي حد منكم كان مكاني، كان هيعمل إيه؟”
قال المأمور:
“إحنا كلنا عارفين حكايتك.”
تنفست أحلام بعمق وقالت:
“يبقى ليا طلب واحد بس.”
“إيه هو؟”
“أسجل بصوتي حكايتي… علشان صوتي يفضل موجود ويحكي حكايتي للناس.”
وبعد إصرار طويل منها، وافق المأمور، وبدأ أحد رجال الشرطة في تسجيل قصتها بصوتها كما طلبت.
وقالت أحلام:
“اتخطبت واتجوزت… ومحدش فيهم رجع يحضر فرحي!”
ثم بدأت تحكي:
“علاء كان شخص طيب جدًا، وكان بيحبني جدًا، وكان شديد الغيرة عليّ، لدرجة إنه في البداية رفض إني أشتغل.
وفعلًا قعدت في البيت، وبعد سنة من جوازنا رزقنا ربنا ببنتين توأم، ريتاج وريماس.
كان علاء لما يحس إني محتاجة حاجة يجيبها قبل حتى ما أطلبها منه.
كان بيقضي وقت طويل في شغله، فكنت دايمًا أروح عند ماما أقضي معاها اليوم، وأرجع آخر النهار أجهز الأكل لحد ما يرجع علاء.
من شدة حبي له، كنت دايمًا أحكي لماما عنه وعن معاملته ليا.
وكنت بحس إنها فرحانة لسعادتي، وكل ما أحكيلها عن علاء كانت تحكيلي عن بابا الله يرحمه، وعن حبه ليها ومحاولاته المستمرة إنه يسعدها.
كنت بحبه جدًا وبغير عليه، ولما كان يرجع من الشغل كنت أحيانًا أمسك تليفونه قدامه وأراجع المكالمات، وهو كان يضحك ويقولي:
فتشي براحتك يا حبيبتي، أنا واثق من نفسي.
فضلنا حوالي أربع سنين عايشين في حب، ومكنتش بينا مشاكل حقيقية غير الخلافات العادية اللي بتحصل في أي بيت.
لحد يوم اتغير فيه كل شيء.
جالي اتصال من رقم غريب.
كنت متعودة ما أردش على أرقام مش معروفة، لكن الرقم فضل يتصل أكتر من مرة.
قلبي انقبض، وفضلت مترددة.
وبعدها مباشرة رن تليفون علاء.
رديت، فسمعت صوت واحدة بتقول:
حضرتك زوجة الأستاذ علاء؟
قولتلها:
أيوه، حضرتك مين؟
قالت:
الأستاذ علاء حصل له حادث، وهو دلوقتي في الرعاية المركزة.
التليفون وقع من إيدي، وجريت على المستشفى.
اتصلت بماما وأنا في الطريق، وهي لحقتني هناك.
عرفنا إن حالة علاء كانت صعبة جدًا، والأطباء طلبوا مننا ندعيله.
مش هقدر أوصف إحساسي وقتها.
كنت باخد بناتي وأقعد أبكي، وأنا مش عارفة هعمل إيه لو حصل لعلاء حاجة.
مكنتش قادرة أتخيل حياتي من غيره.
ماما فضلت جنبي ومسبتنيش لحد ما اطمنا إن حالته استقرت وإن ربنا كتب له فرصة جديدة.
لكن بعدها عرفنا إن إصاباته هتحتاج فترة طويلة جدًا من العلاج والتأهيل، وإنه مش هيقدر يرجع لحياته الطبيعية بسرعة.
كانت صدمة كبيرة، وكنت عارفة إن حياتنا كلها هتتغير.
فضلت مع علاء في المستشفى، أحاول أخفف عنه وأشجعه، لحد ما المصاريف بدأت تستنزف كل اللي معانا.
وفي النهاية، مكنش قدامنا حل غير إني أشتغل.
قعدت مع علاء وقلت له:
أنا لازم أشتغل على الأقل لحد ما تتحسن وتعرف هتقدر ترجع لشغلك ولا لأ.
رغم إنه كان رافض الفكرة قبل كده، لكنه وافق بسبب الظروف الجديدة.
كان دايمًا يقول لي:
إنتِ يا حبيبتي زي الملكة، وأنا مش عايزك تتعبي في الشغل.
لكن الظروف أجبرتنا نعيد حساباتنا.
بدأت أدور على شغل، وقدمت في أكتر من شركة.
ولحسن الحظ، اتقبلت في شركة كبيرة بمرتب مكنتش أتخيله.
كان المرتب تقريبًا ثلاثة أضعاف مرتب علاء قبل ظروفه الصحية.
فرحنا جدًا، واتفقنا إني هسيب البنتين عند ماما كل صباح، وأرجع أخدهم وأنا راجعة من الشغل.
مرت الأيام الأولى في الشركة.
وكنت كل يوم بعد ما أخلص شغلي أعدي على علاء في المستشفى قبل ما أرجع البيت.
وكان دائمًا يسألني:
في حد ضايقك في الشغل؟ مفيش حد حاول يضايقك؟
وأنا كنت أطمّنه وأقول له إن كل الناس محترمين، وإن أغلب تعاملاتي مع زميلات وسيدات.
كنت بقول له كده علشان يفضل مطمن، خصوصًا إننا أصلًا بدأنا الشغل بسبب الظروف.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
من أول يوم، بدأت ألاحظ نظرات إعجاب من المدير.
في البداية تجاهلتها، وقلت لنفسي إنها مجرد ملاحظة عابرة.
لكن الأيام مرت، والنظرات تحولت إلى تعليقات غير مريحة.
وكل يوم كانت الأمور بتزيد.
وكنت مش عارفة أتصرف إزاي.
كنت خايفة لو وقفت له، أخسر الشغل اللي بقينا محتاجين مرتبه بشدة.”
وسكتت أحلام لحظات، ثم قالت:
“لكن اللي حصل بعد كده… هو اللي غير كل حياتي.”
## الحلقة الثانية
تابعت أحلام تسجيل قصتها:
“كنت خايفة أواجه المدير، أو آخد منه موقف قوي يكون سبب في خسارتي للشغل.
كان دايمًا يطلبني في مكتبه بحجة مناقشة بعض تفاصيل العمل، ويفضل يتكلم معايا وقت طويل.
كنت بحس بعدم ارتياح شديد، وكنت بحاول أنهي الكلام بسرعة وأخرج.
في البداية كانت تعليقاته بسيطة، لكنه مع الوقت بدأ يتجاوز حدود الكلام المهني.
وفي كل مرة كنت أرجع مكتبي وأنا متوترة.
كنت أقول لنفسي:
أنا محتاجة الشغل… ومينفعش أخسره.
لكن في يوم، تجاوز المدير حدوده بشكل واضح.
ساعتها مقدرتش أسكت.
وقفت قدامه وقلت له بكل حزم:
أنا هنا علشان أشتغل، وأتمنى إن كلامنا يفضل في حدود الشغل والاحترام.
اتغيرت ملامحه للحظة، وبعدها حاول يتظاهر إن كلامه اتفهم غلط.
قال لي:
أنا مكنتش أقصد حاجة.
خرجت من مكتبه وأنا مش عارفة هل الموقف انتهى فعلًا، ولا كانت دي مجرد بداية لمشكلة أكبر.
رجعت البيت في اليوم ده، وقعدت أفكر طويلًا.
هل أحكي لعلاء؟
هل أسيب الشغل؟
ولا أستحمل علشان بناتي وعلاجه؟
كنت بين نارين.
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها…
إن القرار اللي هاخده في الأيام القادمة، هيكون سبب في كشف سر كبير، سر هيفتح باب لحكاية مكنتش أتخيلها أبدًا.”
وهنا توقفت أحلام عن الكلام، بينما نظر إليها رجل الشرطة بدهشة.
قال لها:
“وبعدين؟”
نظرت إليه أحلام وقالت:
“الباقي هو أهم جزء في حكايتي… ولو كنت حكيت لكم إياه من البداية، مكنش حد هيصدق.”
ثم أغلقت عينيها لحظات، وكأنها تستعد لاستكمال الجزء الأصعب من قصتها.
**يتبع…**
# رواية قبل الحكم بدقائق
### للكاتب عادل عبد الله
## الحلقة الثالثة
“غلط… وإنه بيحترمني جدًا.”
بعدها اتغيرت معاملته ليا تمامًا، وبدأ يظهر في كلامه وتصرفاته احترام واضح جدًا.
حمدت ربنا إن الموقف عدى على خير، لكني بدأت ألاحظ إن بعض زمايلي في الشغل بيتكلموا عني، خصوصًا بعد ما عرفوا بظروف جوزي وحالته الصحية.
حاولت أتجاهل كلامهم وأتصرف وكأني مش واخدة بالي.
كنت واثقة من نفسي، وكل اللي كان يهمني وقتها إني أحافظ على شغلي طالما قادرة أحافظ على نفسي وكرامتي.
ومرت الأيام.
وفي أقل من سنة، بدأت حياتنا تتغير للأحسن بشكل كبير.
جددت حاجات كتير في البيت، واشتريت احتياجات كنا محرومين منها، ولما خرج علاء من المستشفى كان فرحان جدًا بالتغيير اللي حصل.
لكن للأسف، حالته الصحية ما كانتش تسمح له يرجع لشغله.
كان محتاج فترة علاج وتأهيل طويلة في البيت.
استمرت حياتنا بنفس النظام.
كنت الصبح أسيب علاء في البيت، وآخد البنتين وأوديهم عند ماما وأنا رايحة الشغل، وفي نهاية اليوم أرجع أخدهم وأنا راجعة.
وأحيانًا كانوا بيقعدوا عند ماما أيام كاملة.
ماما كانت بتحبهم جدًا، وكانت فرحانة بيهم، وبتذاكر لهم وتتابع دراستهم.
مع الوقت، دخلت بناتي مدارس خاصة بمصاريف كبيرة، واشتريت عربية كويسة ليا، وبعدها عربية لعلاء.
بدأنا نعيش في مستوى أفضل بكتير، خصوصًا إن مرتبي كان بيزيد كل سنة.
مر أكتر من سنتين، وانتهى الجزء الأكبر من علاج علاء.
لكن للأسف، فضلت عنده إعاقة في رجله.
حاولت أقنعه إنه يشتغل معايا في الشركة، لكنه رفض وقال لي:
“أنا هشوف شغل بمعرفتي.”
عدت شهور، وكل مرة أسأله كان يقول لي إن كل مكان بيروح له بيرفضه بسبب حالته الصحية.
وبدأ علاء يقضي أغلب وقته في البيت.
البنات في المدرسة أو عند ماما، وأنا معظم اليوم في الشغل.
وبعد حوالي خمس سنين من بداية شغلي، كان وضعنا المادي اتحسن جدًا.
وفي يوم، قال لي علاء:
“أنا بفكر أعمل مشروع خاص بينا بدل ما أفضل أدور على شغل عند حد.”
فرحت جدًا بالفكرة.
حسيت إنها فرصة حقيقية علشان علاء يرجع للحياة، ويحس إنه قادر يعتمد على نفسه من جديد.
جمعت كل الفلوس اللي قدرت أوفرها، وبدأت له مشروع محترم.
وكتبنا كل أوراق الشركة باسمه.
حتى العربية الجديدة اشتريتها له باسمه.
كنت عايزة أحسسه إنه صاحب المشروع، وإنه استعاد مكانته وحياته من جديد.
وبالفعل، لما بدأ يشتغل ويتعامل مع الناس، بدأت أشوفه بيتغير.
كنت بغير عليه جدًا، لكني كنت بخبي غيرتي.
الغريب إنه هو نفسه ما بقاش بيسألني زي زمان عن كل تفاصيل يومي.
في البداية استغربت.
كان زمان شديد الغيرة عليّ، أما دلوقتي فبقى هادي جدًا.
حتى مع إن طبيعة شغلي اتغيرت، وبقيت بتعامل مع ناس أكتر، كان بيتعامل مع الموضوع بمنتهى الهدوء.
ومش هخبي عليكم…
كنت بتعرض لمواقف تضايقني في الشغل من بعض الناس، لدرجة إني فكرت أكتر من مرة أسيب الوظيفة وأقعد في البيت.
لكن المرتب الكبير كان دايمًا بيخليني أتراجع.
كنت بقول لنفسي:
“أنا بشتغل علشان بيتي وبناتي وعلاء.”
ومع مرور الوقت، بدأت بناتي يكبروا.
كنت بدي ماما فلوس كتير علشان تشتريلهم كل اللي نفسهم فيه.
وكنت سعيدة جدًا بحبهم ليها.
كنت بسمعهم أحيانًا بينادوها:
“يا ماما.”
وكانت الكلمة رغم إنها بتفرحني، بتوجعني من جوايا.
لأني كنت عارفة إن ماما تعبت معايا جدًا في تربيتهم.
كنت بديها مبلغ ثابت كل شهر يكفي مصاريفها ومصاريف البنتين، وكنت حريصة إنهم ما يحتاجوش أي حاجة.
عمري ما حسبت الفلوس.
كنت عايزة كل اللي حواليا يكونوا مبسوطين.
لكن في يوم، بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
كل ما البنات يرجعوا البيت، يفضلوا يسألوا:
“إمتى هنروح عند تيتا؟”
حاولت أقرب منهم أكتر.
ألعب معاهم.
أقعد أتكلم معاهم.
أسألهم عن المدرسة.
لكن للأسف، اكتشفت إن فيه فجوة كبيرة حصلت بيني وبينهم.
بناتي بقوا متعلقين بماما أكتر مني.
وكانت الصدمة الأكبر إني حسيت إني بقيت ضيفة في حياتهم.
كنت مصدومة.
مش عارفة أعمل إيه.
إزاي أرجع أقرب من بناتي بعد كل السنين دي؟
استنيت علاء لما رجع من شغله.
ولما البنات ناموا، قعدت معاه وقلت له:
“أنا حاسة إن بناتي ضاعوا مني.”
بص لي باستغراب وقال:
“إنتِ مكبرة الموضوع.”
قلت له:
“أنا بقيت مش موجودة في حياتهم.”
ضحك وحاول يطمني:
“حبهم لماما مش معناه إنهم مش بيحبوكي. هما بس اتعودوا عليها لأنها بتقعد معاهم أكتر.”
كلامه هداني شوية.
لكن الإحساس اللي جوايا مكنش بيروح.
وبعد فترة، جالي سفر لأوروبا علشان أخلص شغل خاص بالشركة.
طلبت من علاء يسافر معايا.
قلت له:
“نسافر سوا، وفي نفس الوقت نعرض حالتك على أطباء هناك، يمكن يكون فيه حل يساعدك.”
لكنه رفض.
قال:
“مش هقدر أسيب الشركة.”
اضطريت أسافر لوحدي مع ماجد، المدير المالي للشركة.
ماجد كان شخص هادي ومحترم، وطوال السفر كان بيتعامل معايا بمنتهى المهنية والاحترام.
لكن السفر استمر حوالي أسبوعين، وطبيعي إننا اتكلمنا في حاجات كتير تخص الشغل والحياة.
وفي لحظة ضعف، حكيت له عن مشكلتي مع بناتي.
كنت محتاجة حد يسمعني.
لكن كلامه بعدها صدمني.
قال لي:
“أنا شايف إنك تستحقي حياة أفضل.”
استغربت.
فكمل كلامه:
“إنتِ بتتعبي نفسك في جوازك، وبناتك أصلًا عايشين مع والدتك معظم الوقت.”
ثم قال بصراحة إنه معجب بيّ من أول ما شافني، وإنه أخفى مشاعره لأنه كان يعرف إني متزوجة.
وحاول يقنعني إن الانفصال ممكن يكون بداية جديدة.
وعدني بحياة مختلفة، وقال إنه قادر يوفر لي كل اللي أحتاجه.
لكن ردي كان واضح:
“أنا بحب جوزي، ومهما حصل مش بفكر أسيبه.”
سكت ماجد، ولم يكرر كلامه.
وأنا بعدها ندمت إني حكيت له أصلًا.
في نفس السفر، عرضت التقارير الطبية الخاصة بعلاء على مجموعة من الأطباء.
وكان ردهم إن حالته ممكن يكون لها علاج، لكن الأمر يحتاج تكلفة كبيرة جدًا.




