قصص و روايات

مراتي جالها مرض

نظر الجميع لبعضهم، وكان الاسم الذي ذكره الرجل للأمن منذ دقائق فقط هو نفس الاسم الموجود في الصورة القديمة.
تجمد محمود مكانه كأن الكلمات فقدت معناها للحظة. نفس الاسم؟ الشخص الموجود في الصورة القديمة؟ والشخص الذي أرسل الرجل إلى العناية المركزة؟
نظر إلى المحامي وقال باختناق:
ـ مين؟! قول الاسم!
لكن المحامي هز رأسه:
ـ الأمن طلب ما يتقالش دلوقتي قبل ما يخلصوا التحقيق الأول.

كاد محمود يفقد صوابه من الغضب. وفي هذه اللحظة خرج أحد أفراد الأمن من المصعد واتجه نحوهم مباشرة، كانت ملامحه جادة وقال:
ـ مين الأستاذ محمود؟
ـ أنا.
سلمه ظرفًا صغيرًا وقال:
ـ ده كان مع الشخص المقبوض عليه.

أخذ محمود الظرف، وكان مكتوبًا عليه بخط واضح: “يُسلم لمحمود فقط”.
شعر بقشعريرة تسري في جسده، فتح الظرف بسرعة وفي داخله ورقة واحدة. قرأ أول سطر فيها فتغير وجهه تمامًا.
ـ لا…
قالها دون وعي.
اقترب والد سحر منه:
ـ في إيه؟
ناول له الورقة، قرأها الرجل ثم رفع رأسه ببطء وكان الذهول يملأ وجهه، لأن الرسالة كانت تقول: “إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فاعلم أن الحقيقة التي تبحث عنها ليست في الماضي فقط… بل في الحاضر أيضًا. الشخص الذي تسبب في الحادث لم يكن يعمل وحده، والشخص الذي يحاول إسكات سحر اليوم هو نفس الشخص الذي استفاد من سكوت الجميع قبل سبع سنوات”.

ازداد التوتر، وأكملت الرسالة: “ابحثوا عن المستند رقم 17 داخل الملف الأصلي”.
نظر الجميع إلى المحامي، فأخرج الملف الكبير بسرعة وبدأ يقلب الأوراق حتى وصل إلى مستند يحمل الرقم 17، سحبه للخارج، نظر إليه ثم اتسعت عيناه فجأة:
ـ يا ساتر…

أخذ محمود الورقة منه، وكانت عبارة عن كشف تحويلات مالية قديم، عدة مبالغ كبيرة، تواريخ متقاربة، وأسماء متعددة. لكن اسمًا واحدًا جعل قلبه يتوقف للحظة؛ اسم شخص من العائلة، شخص كان حاضرًا في كل الأحداث، وشاركهم البكاء والقلق على سحر طوال الأيام الماضية، شخص لم يشك فيه أحد للحظة واحدة.

رفع محمود رأسه ببطء وعيناه تمتلئان بالصدمة، بينما قال المحامي بصوت خافت:
ـ واضح إن اللعبة أكبر بكتير مما كنا متخيلين…

وفي نفس اللحظة، دوى صوت إنذار داخل المستشفى، وانطلقت الممرضات نحو غرفة سحر من جديد. التف الجميع في رعب وهرعوا نحو العناية المركزة، غير مدركين إن كانت هذه مجرد أزمة طبية عابرة… أم أن السر الذي ظل مدفونًا سبع سنوات بدأ أخيرًا يكشف عن ثمنه الحقيقي.

وقف محمود في منتصف الغرفة وهو ماسك الفلاش ميموري، كأنها قطعة نار في إيده. جملة سحر الأخيرة كانت بتدور في دماغه: “اللي حرك كل الخيوط من البداية اسمه مش موجود في أي ورقة…”.
رفع عينه للدكتور بحدة:
ـ يعني إيه الكلام ده؟!
لكن الطبيب رد بهدوء حذر:
ـ دلوقتي أهم حاجة استقرارها، مش تفسير الكلام.

خرج محمود من الغرفة وهو مش قادر يستحمل أكتر. في الممر، كان المحامي ووالد سحر في انتظاره. قال المحامي:
ـ فيه حاجة لازم تتعمل فورًا.
ـ إيه؟
أشار للفلاش ميموري:
ـ لازم نفتحها في مكان آمن، بعيد عن المستشفى.
هز والد سحر رأسه:
ـ نروح مكتب المحامي حالًا.

بعد أقل من ساعة كانوا داخل مكتب صغير مغلق. شبك المحامي الفلاش على جهاز كمبيوتر وضغط فتح، فظهرت مجلدات متعددة. أول ملف كان باسم “حقيقة الحادث النسخة الكاملة”، وظهرت شاشة قديمة غير واضحة، وصوت سحر بدأ يشرح بصوت مرتجف وهي أصغر سنًا:
ـ أنا بكتب الفيديو ده لو أي حاجة حصلت لي…
تجمد الجميع.
استمر الفيديو:
ـ يوم الحادث كان فيه ترتيب مسبق، بس مش بالشكل اللي اتقال في المحاضر.
اقترب محمود من الشاشة، وفجأة ظهر اسم جديد في الفيديو، اسم لم يظهر في أي ورقة قبل كده، شخصية كانت سحر تشير إليها بكلمة واحدة فقط: “هو”.

لكن خلف الكاميرا، سُمِع صوت رجالي واضح، صوت جعل محمود يقف فجأة لأنه يعرفه جيدًا، صوت قريب جدًا منه، صوت كان في حياته كل يوم تقريبًا خلال الفترة الأخيرة.
التفت محمود للمحامي بصدمة:
ـ ده… ده صوت…
لكن قبل ما يكمل، الفيديو توقف فجأة، وظهر ملف ثاني داخل الفلاش باسم “إذا اتفتح ده… يبقى في خطر”.

ساد الصمت، وبص المحامي لمحمود:
ـ هنفتحه؟
لكن قبل ما حد يرد، انطفأت أنوار المكتب بالكامل، وفي الظلام سُمِع صوت باب بيتقفل من الخارج بإحكام، وصوت خطوات بتبتعد بهدوء، وكأن اللي بره كان سامع كل كلمة… وعارف إنهم وصلوا للنقطة اللي ما ينفعش يكملوا بعدها.

اندفع محمود ووالد سحر نحو غرفة العناية المركزة، والقلبان يخفقان بعنف وأفكار لا تنتهي تدور في الرؤوس. لكن ما إن وصلا إلى الباب حتى أوقفتهما الممرضة:
ـ اهدوا… الوضع تحت التحكم.
تنفس الجميع بصعوبة، وسأل والد سحر:
ـ حصل إيه؟
أجاب الطبيب الذي خرج للتو:
ـ هبوط مفاجئ بسبب الإرهاق بعد العملية والكلام الكتير.

أغمضت أم سحر عينيها وهي تردد الحمد لله، لكن التوتر لم يختفِ؛ ففي يد محمود ما زالت الورقة التي كشفت اسمًا من العائلة، وفي ذهنه ما زال السؤال الأكبر: من هو الشخص الذي ظل يخدع الجميع طوال هذه السنوات؟

جلسوا في غرفة الانتظار وأغلق المحامي الباب ثم قال:
ـ لازم نكمل دلوقتي.
أخرج مستند رقم 17 مرة أخرى ووضعه على الطاولة وأشار إلى أحد الأسماء.
ساد الصمت، ولم يصدق محمود ما يراه، لأن الاسم لم يكن اسم عماد ولا اسم أي شخص غريب، بل اسم شخص كانت سحر نفسها تثق فيه، شخص كان يدخل بيتها ويخرج منه بلا أي حرج.

قال والد سحر بصدمة:
ـ معقول؟!
أجاب المحامي:
ـ التحويلات كلها كانت مرتبطة بالحساب ده.
ـ لكن ليه؟
ـ لسه مش عارفين.
ثم أخرج ورقة أخرى من الملف وقال:
ـ ودي أخطر.
كانت نسخة من إفادة قديمة لم تُضم للتحقيق الأصلي، إفادة شاهد اختفى بعد الحادث بأيام. قرأ محمود السطور بسرعة، ومع كل كلمة كانت الصورة تتضح أكثر؛ الحادث لم يكن مقصودًا بالكامل، لكن بعد وقوعه حدث شيء آخر، شيء جعل بعض الأشخاص يعملون بكل طاقتهم لإخفاء الحقيقة.

وفجأة قال المحامي:
ـ بالإفادة بأشهر قليلة…
ارتجف أم سحر، أما محمود فبدأ يشعر أن القصة كلها أكبر من مجرد حادث قديم. وفي تلك اللحظة فتحت الممرضة الباب وقالت:
ـ سحر عايزة تشوف محمود.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى