عام

حكم أكل لحم الأرنب في الإسلام والفوائد الصحية لتناوله

أحل الله سبحانه وتعالى للبشر الطيبات من الرزق والطعام من أصناف كثيرة ومتنوعة، وعرّفنا رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم على ما أحل لنا وما حرم، لحفظ النفوس وصيانتها. ورغم وضوح الأحكام الفقهية واستقرارها عبر القرون، إلا أن البعض قد يثير من حين لآخر بعض المعلومات غير الدقيقة أو التي تُفهم خطأً دون الرجوع إلى أهل الاختصاص والعلماء الراسخين، مما قد يتسبب في إحداث لغط أو تشتيت في أوساط المجتمع الإسلامي.

 

ومن بين تلك المسائل المتداولة التي يتجدد حولها النقاش بين الحين والآخر، مسألة أكل لحم الأرنب؛ حيث يروّج البعض فهماً مغلوطاً مفاده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد امتنع عنه أو كراهة تناوله استناداً إلى بعض الروايات، دون وعي بالتفصيل الفقهي الدقيق ودون التفريق بين ما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لطبيعته البشرية وما يستطاب أو تعافه نفسه، وبين ما حرمه الشرع تشريعاً قطعياً لا يقبل الاجتهاد كالميتة ولحم الخنزير والدم المسفوح.

ولفهم هذه المسألة على وجهها الصحيح، لا بد من العودة إلى المصادر الحديثية المعتمدة والأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما. فقد ورد في السنة النبوية ما يوضح هذا الأمر بجلاء تام ويقطع الشك باليقين؛ فقد أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه صاد أرنبًا بمكان يقال له المرّان، فأتى بها أبا طلحة رضي الله عنه فذبحها، وبعث بوركيها أو فخذيها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقبلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأكل منها.

وفي رواية أخرى للإمام أبي داود في سننه، يروي أحد الصحابة رضي الله عنهم أنه كان غلامًا حزوَّرًا فصدت أرنبًا فشويتها، فبعث معي أبو طلحة رضي الله عنه بعجزها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكل منها. بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل صراحة عنها في روايات متعددة فأجاب قائلًا: “هي حلال”. وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وغيرهم عن محمد بن صفوان أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين -أي بحجرين براقين- وأتى النبى صلى الله عليه وآله وسلم فأمره بأكلهما، ولم يثبت عن النبي قط أنه حرمها أو حجر على أكلها.

وعند تأمل ما يُستدل به من بعض الروايات التي قد توهم البعض بوجود امتناع، مثل ما رواه الإمام الترمذي عن حبان بن جزء عن أخيه خزيمة بن جزء رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: “لا آكله ولا أحرمه”، قال: فقلت: ولم يا رسول الله؟ قال: “إني أحسب أنها تدمي” أي تحيض. يتبين لكل ذي بصيرة أن كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم واضح وصريح في أنه لا يحرمه؛ حيث قال بلسانه الشريف “ولا أحرمه”، ولكنه بين سبب تركه له بشخصه الكريم بأنه لا يأكله لسبب آخر غير التحريم، وهو أن نفسه تعافه أو تستطبه، تمامًا كما كان الشأن في أكل “الضب” حين عرض عليه فرفض وأوضح أن نفسه تعافه لأنه لم يكن موجودًا في بيئته التي نشأ فيها، وليس في ذلك أي تشريع بتحريمه على أمته.

وقد سار على هذا النهج الصحابة الكرام والتابعون من بعده؛ فقد أكل الأرانب جمع غفير من الصحابة رضي الله عنهم كالسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري، ورخص في تناولها عطاء، وابن المسيب، والليث، وأبو ثور، وابن المنذر، ولم يُعْرَف عن أحد من سلف الأمة تحريمها أو القول بكراهتها المحرمة.

من هنا يتضح جلياً أنه لا داعي لأن يشغل الناس أنفسهم بأمور محسومة فقهياً ولا طائل من وراء إثارتها إلا إحداث الجدل والبلبة بلا علم، لمجرد سوء فهم النصوص أو القصور في عدم التفريق بين ما حرمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم تشريعًا عامًا ومُلزماً للأمة، وبين ما امتنع عنه صلى الله عليه وآله وسلم لطبيعته البشرية المحضة أو لعدم اعتياد نفسه عليه. إن تحري الدقة الفقهية والرجوع إلى العلماء الراسخين هو الضمانة الحقيقية لحماية المجتمع من الشائعات والأحكام المغلوطة، وترسيخ روح الفهم المستنير القائم على الأدلة الصحيحة بعيداً عن الغلو أو التسرع في إطلاق الأحكام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى