قصص و روايات

لما ابني اتولد داون

لما ابني اتولد بمتلازمة داون، مضيت على ورق أسيبه في المستشفى وأمشي… لكن وأنا خارجة،  جريت ورايا وقالتلي حاجة خلتني أتجمد مكاني. كنت لسه عندي أربعة وعشرين سنة لما ولدت أول طفل ليا. ومع إني كنت مستنية اليوم ده من شهور، إلا إني ماحسيتش إني أم فعلًا… مش في اللحظة دي على الأقل. طول الليلة اللي قبل الولادة، كنت بتخيل اللحظة اللي هيحطوا فيها ابني على صدري. كنت متخيلة الفرح، ومتخيلة جوزي «أحمد» وهو ماسك إيدي وبيقولي إن ابننا أحلى وأجمل طفل في الدنيا. لكن أول ما ابني اتولد… الأوضة سكتت.

سكات تقيل بشكل يخوف.

محدش ابتسم.

محدش قاللي: «مبروك يا مدام.»

ومحدش حتى قاللي إن ابني جميل.

الدكتور قرب مني، وصوته كان هادي بشكل غريب، وقال:

— ابن حضرتك عنده متلازمة داون.

فضلت كام ثانية ببص له من غير ما أفهم هو بيقول إيه.

لكن أكتر حاجة علقت في  وقتها كانت نظرة .

كانت بتبصلي بحزن شديد، كأنها شايفة نزلت عليّا قبل حتى ما أخد فرصة أعرف ابني.

بصيت ناحية أحمد.

 

كان واقف جنب الحيطة، وشه أبيض وعينيه ثابتة في الأرض.

ماطلبش حتى يشيل ابنه.

وبعد وقت طويل قال:

— إحنا مانقدرش نعمل كده.

بصيت له باستغراب:

— تعمل إيه؟

اتنهد وقال:

— إحنا لسه صغيرين… ومش مستعدين لحياة بالشكل ده.

«حياة بالشكل ده.»

الجملة دي فضلت ترن في ودني.

تاني يوم الصبح، دخلت علينا موظفة من الشؤون الاجتماعية في المستشفى، وكانت معاها شوية أوراق.

أحمد كان واقف جنبي، لكنه حتى ماحاولش يمسك إيدي.

وبصلي وقال:

— الموضوع مش لازم يكون نهائي… بس إحنا محتاجين نسيبه للمستشفى لحد ما يشوفوا له مكان مناسب.

بصيت له، وكنت مرعوبة ومتلخبطة ومش عارفة أعمل إيه.

وفي وسط كل ده، جابتلي الممرضة ابني للمرة الأخيرة.

كان صغير جدًا.

هادي.

ووشه بريء لدرجة وجعتني.

قعدت أبص له وأنا مش قادرة أتكلم.

وبعدين… مضيت.

بعد حوالي ساعة، خرجت من المستشفى وأنا شايلة كرسي العربية الصغير الفاضي في إيدي.

الغريب إن الكرسي كان خفيف جدًا…

 

لكن حسيت كأنه أتقل من جبل.

كنت لسه قربت من باب الخروج، لما سمعت صوت خطوات سريعة ورايا.

— استني!

لفيت.

كانت الممرضة.:

— قبل ما تمشي… لازم تعرفي حاجة عن اللي جوزك طلبه مننا.

اتجمدت مكاني.

— أحمد طلب إيه؟

الممرضة بصت ورايا ناحية أحمد، وبعدين بصتلي تاني.ومدت إيدها بورقة. الورقة اللي قلبت كل حاجة مسكت الورقة بإيد .

كان مكتوب فيها إن أحمد هو اللي طلب من العاملين في المستشفى إنهم يقللوا دخول الطفل على أمه، بحجة إنها «مش في حالتها النفسية المناسبة» وإنها محتاجة ترتاح قبل ما تاخد أي قرار.

لكن كان فيه سطر تاني خلاني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي.

كان مكتوب إن الأم نفسها كانت بتطلب ابنها أكتر من مرة.

وإنها كل ما كان الطفل يدخل لها، كانت تبكي وتحاول تضمه، وتطلب إنها تفضل شايلة ابنها أطول وقت ممكن.

رفعت عيني ناحية أحمد وأنا مش مصدقة.

— إنت… إنت اللي قلت لهم مايدخلوش ابني عندي؟

شد فكه وقال:

— كنت بحاول أحميكي.

— تحميني؟!

الممرضة قربت مني وقالت:

— أنا من أول ما ولدتِ وإنتِ كل شوية تسألي عليه… وكنتِ بتطلبي تشوفيه. كل مرة كان بيدخل فيها عندك، كنتِ بتعيطي وتحاولي تقربي منه.

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

— إنتِ كنتي خايفة… آه. بس عمرك ما قولتي إنك مش عايزاه.

وفجأة، بدأت أفتكر كل حاجة.

أحمد وهو بيقولي:

«نامي شوية.»

«إنتِ مش مركزة دلوقتي.»

«سيبي الموضوع عليّا.»

«ثقي فيا.»

كلمة ورا كلمة، لحد ما صوته بقى أعلى من صوتي أنا.

لحد ما صدقت إن قرار التخلي عن ابني كان قراري أنا.

الممرضة قربت مني أكتر وهمست:

— لسه قدامك فرصة.

أحمد اتدخل بسرعة:

— ده قرارنا إحنا الاتنين.

بصيت له.

«قرارنا؟»

وساعتها فهمت إن مفيش «إحنا» من الأساس.

بصيت في عينيه وسألته سؤال واحد:

— إنت حبيته؟ حتى للحظة واحدة؟

أحمد ما ردش.

ولا كلمة.

وسكوته كان أوضح من أي إجابة ممكن يقولها.

نزلت عيني على كرسي العربية الفاضي اللي كنت لسه ماسكاه.

وبعدها سلمته للممرضة.

أخدت نفس طويل، ومسحت دموعي، ولأول مرة من ساعة ما ولدت ابني، صوتي طلع ثابت.

— رجعيني لابني.

الممرضة بصتلي نزلت، وبعدين قالت:

— حاضر.

وأنا راجعة ناحية ابني، حسيت إن الخوف اللي كان …

أنا بس كنت خايفة.

وخوفي خلاني أصدق إن التخلي عنه هو الرحمة.

لكن في اللحظة دي فهمت حاجة عمري ما نسيتها:

أحيانًا، كل اللي بنحتاجه علشان نسمع صوتنا من تاني… إن حد واحد بس يمد إيده لنا، ويفكرنا إن القرار اللي اتاخد باسمنا، مش شرط يكون القرار اللي طالع من قلبنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى