قصص و روايات

أبويا الغني

طلعت السلم بسرعة.
دخلت الأوضة.
بدأت أفتح الأدراج.
ثم افتكرت جملة أبويا قبل رحيله:
قريب هتفهمي كل حاجة.
وقفت وسط الأوضة.
بصيت للسرير.
وفجأة لاحظت إن واحد من ألواح الأرضية شكله مختلف.
انحنيت.
حركته.
ظهر تجويف صغير.
وجواه صندوق خشبي.
فتحت الصندوق.
كانت السلسلة موجودة.
لكن بجانبها ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان مكتوب بخط أمي:
سوسن، لو وصلتي للسلسلة دي، متروحيش للخزنة لوحدك… لأن الشخص اللي حماكي طول السنين مش هو الشخص اللي كنتِ فاكرة إنه بيحميكي.
وتحت الجملة كان فيه اسم واحد.
اسم الشخص الذي لم أتوقعه أبدًا.
كارولين.

وقبل ما أستوعب، سمعت صوت كارولين من خلفي:
سوسن… اقفلي الصندوق.
استدرت ببطء.
كانت واقفة عند الباب.
وشكلها المرة دي كان مختلف تمامًا.
قالت:
لازم أقولك الحقيقة قبل ما تروحي للخزنة.
ثم أغلقت الباب خلفها.
وقالت:
أنا عارفة مين أخفى الحقيقة دي من 34 سنة… وعارفة ليه أبوكي اضطر يستدعيكي قبل رحيله بأسبوع.
وسكتت لحظة.
ثم قالت:
بس لو قلتلك اسمه دلوقتي… حياتك مش هتكون زي الأول.

بصيت لكارولين، وقلبي بيدق بعنف.
قولي.
هزت رأسها.
مش هنا.
قلت بعصبية:
أنا تعبت من كلمة مش هنا! كل واحد فيكم مخبي حاجة عني!
كارولين قربت مني وقالت:
أنا مش عايزة أخبي تاني.
ثم أشارت للسلسلة.
دي مش مجرد مفتاح للخزنة.
مسكت السلسلة.
جواها جزء صغير من ورقة.
فتحت الجزء الخلفي منها، وفعلاً لقيت قطعة ورق مطوية بعناية.
فتحتها.
كان عليها عنوان قديم.
وعليه اسم شركة.
المحامي لما شافه اتصدم.
الشركة دي اتقفلت من 30 سنة.
كارولين قالت:
لكن ملكيتها ما اختفتش.
سألت:
يعني إيه؟
قالت:
أمك كانت شريكة فيها.
بصيت للورقة.
وأبويا؟
كارولين ردت:
حسن كان مجرد وصي على نصيبك.
سكت.
يعني كل اللي في القصر… مش كله بتاع حسن.
ثم أضافت:
جزء كبير منه كان حقك من البداية.

كارولين قربت مني وقالت:
لازم نروح للخزنة قبل فريد.
المحامي وصل في اللحظة دي.
بص للسلسلة وقال:
الخزنة موجودة في مبنى الشركة القديم.
قلت:
إحنا هنروح دلوقتي.

محمود وقف عند الباب وقال:
أنا جاي معاكم.
خرجنا جميعًا.
لكن قبل ما نوصل للعربية، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
سمعت صوت رجل يقول:
سوسن… لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن أمك، متروحيش مع المحامي.
اتجمدت.
سألته:
مين؟
قال:
الشخص الوحيد اللي كان موجود ليلة رحيل أمك.
ثم أغلق الخط.

المحامي قال:
أنا كنت موجود فعلًا ليلة رحيل أمك.
سكت لحظة.
ثم أضاف:
وأبوك طلب مني أخفي عنك اللي شوفته في الليلة دي.
رفعت عيني له.
وشفت إيه؟
بص لي في عيني وقال:
شفت شخصًا يدخل غرفة أمك…

محمود تدخل:
الشخص ده كان فريد.
لكن المحامي هز رأسه.
مش فريد.

وصلنا للغرفة القديمة.
حطيت السلسلة في القفل الصغير.
سمعنا صوت طقة.
جزء من الحائط اتحرك.
ظهرت خزنة حديدية.
المحامي قال:
حسن كان الوحيد اللي يعرف الرقم.
قلت:
طب إزاي هنفتحها؟
محمود قال:
سوسن.
بصيت له.
إنتِ الرقم.
استغربت.
أنا؟
قال:
الرقم موجود في حياتك من غير ما تعرفي.
افتكرت فورًا:
رقم غرفتي في الدار… 17.
رقم الغرفة في الشركة… 41.
والرقم الثالث اللي كتبه أبويا… 3.
جربت 17413
الخزنة فتحت.
كلنا سكتنا.
جواها كان فيه ملفات، وصور، وشريط تسجيل قديم.
لكن في وسط كل ده كان فيه ظرف أبيض.
مكتوب عليه:
لسوسن فقط.
فتحته.
الرسالة كانت قصيرة:
بنتي… لو وصلتي للخزنة، يبقى فريد لم يعد أخطر شخص في القصة.
وقفت عن القراءة.
المحامي قال:
كملي.
تابعت:
الشخص الحقيقي كان يعرف كل تحركاتي، وكان يعرف مكانك، وكان يعرف كل خطوة هتعمليها بعد رحيلي.
بدأت إيدي ترتعش.
ولهذا السبب، لو أردتِ معرفة الحقيقة، لا تبحثي عن شخص غريب.
قلبت الورقة.
آخر سطر كان:
ابحثي عن الشخص الذي كان أول من استقبلك عندما وصلتِ إلى القصر.

رفعت رأسي ببطء.
الشخص اللي استقبلني أول ما وصلت… كانت كارولين فتحت لي الباب، لكن المحامي نفسه هو من جاء بي أول مرة.

فتح الشريط القديم ووضعه في جهاز التسجيل.
اشتغل صوت حسن.
لكن قبل ما يقول أي كلمة، سمعنا صوتًا آخر في الخلفية.
صوت امرأة.
وصوتها كان واضحًا جدًا.
قالت:
حسن… لو سوسن وصلت، لازم تعرف إنها مش بنتك.
اتجمدت.
ثم جاء صوت حسن:
أنا عارف.
صوت المرأة رد:
وأنا عارفة مين أبوها الحقيقي.
التسجيل توقف.

بصيت لمحمود.
ثم للمحامي.
ثم لكارولين.
لكن السؤال الوحيد اللي خرج مني كان:
مين الست دي؟
وفجأة… محمود قال:
أنا أعرف صوتها.
سألته:
مين؟
رفع عينيه نحوي، ووشه كان شاحب.
وقال:
دي… أمك.

فضلت واقفة مش قادرة أتكلم.
أمي؟! بس إزاي؟ إنت قلت إنها توفيت!
محمود رد بصوت مكسور:
هي توفيت فعلًا يا سوسن… لكن التسجيل ده اتعمل قبل وفاتها بفترة قصيرة.
المحامي أخرج آخر ورقة من الخزنة وقال:
حسن كان عارف إنك مش بنته بالدم، لكنه اعتبرك بنته ورباكي وحماكي من غير ما يعرفك الحقيقة.
بصيت لمحمود.
وأبويا الحقيقي؟
محمود دمعت عينه وقال:
أنا.
سكتُّ طويلًا.
ثم فهمت ليه حسن قضى سنين يراقبني، وليه استدعاني قبل رحيله، وليه قال لي قريب هتفهمي كل حاجة.

لكن كان لسه سؤال واحد:
طب ليه أمي أخفت الحقيقة؟
محمود قال:
لأن فريد كان عايز يسيطر على أموالها. ولما عرف إنك وريثتها، حاول يستخدمك للوصول لحقك. حسن اتفق مع أمك إنه يعلن نفسه أبوكي ويحطك بعيد عنهم لحد ما تكبري.
المحامي أضاف:
لكن حسن ماكانش قادر يبعد عنك تمامًا. كان بيتابعك من بعيد، وكل ما يطمن عليك كان يرجع.

بصيت للرسالة الأخيرة.
كان مكتوب فيها:
سوسن، أنا عارف إنك هتسألي ليه انتظرتِ كل ده؟ لأن الخطة اللي رتبتها لكِ لم تكن لسرقة حقك… كان لإجبار كل شخص شارك في ظلمك على الظهور.

فهمت وقتها.
الأسبوع اللي قضيته في القصر ماكانش مجرد أسبوع وداع.
كان خطة.
حسن استدعاني، وخلاني أظهر أمام العيلة والمحامي والخدم، وترك أدلة متسلسلة تقودنا للحقيقة.
وبالفعل، فريد ظهر وحاول يوصل للخزنة.
لكن التسجيلات والمستندات أثبتت محاولاته للاستيلاء على أموال الشركة ومحاولاته القديمة لإخفاء الحقيقة.

أما كارولين، فطلعت طول السنين بتحاول تساعد حسن في حمايتي، وكانت بتوصل له أخبار عني، لكنها ماكانت تعرف كل أسراره.
وأنا… لأول مرة في حياتي، عرفت إن فيه شخصين اعتبروني بنتهم رغم إن واحدًا منهما لم يكن أبي بالدم.

حسن توفي وهو مطمئن إن خطته نجحت.
أما محمود، فأثبتت التحاليل أنه أبي الحقيقي، لكنه ماحاولش يفرض نفسه عليّ.
قال لي:
أنا مش طالب منك تناديني بابا. أنا بس عايز فرصة أعرفك.
بصيت له وقلت:
أنا مش هقدر أعوض 34 سنة… بس ممكن نبدأ من النهارده.

وبعد شهور، صدر الحكم بإدانة فريد في قضايا التلاعب بالأموال والتزوير، وعادت لي الحقوق التي كانت أمي قد تركتها لي.
أما القصر، فلم أحتفظ به لنفسي.
حوّلت جزءًا منه إلى دار لرعاية الأطفال الذين لا يملكون عائلة، وكتبت على المدخل:
محدش يستحق يكبر وهو حاسس إنه متساب.

وفي يوم افتتاح المكان، وقفت قدام صورة حسن.
قلت له:
مكنتش أب كويس في البداية… لكنك حاولت تصلح غلطك قبل ما تمشي.
ثم ابتسمت وسط دموعي.
وأنا سامحتك.

وأخيرًا فهمت معنى كلام المحامي يوم رحيل أبويا:
إنتِ وقعتي في الخطة اللي رسمها لك.
هو فعلًا رسم لي خطة…
لكن الخطة ماكانتش عشان ياخد مني حاجة.
كانت عشان يخليني أرجع آخد حقي…
وأعرف أخيرًا مين أنا، ومين كانوا أهلي، وليه ابتعدت عن طفولتي 34 سنة.

والأهم… إنني خرجت من القصر في النهاية، مش كوريثة لرجل غني فقط…
لكن كبنت عرفت الحقيقة التي أخفاها عنها الجميع، وبدأت لأول مرة تبني حياتها بإرادتها.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى