
وفجأة الضابط طلب من كارولين تفضل مكانها.
أما أنا، فكنت واقفة مش قادرة أستوعب.
كل الأسئلة اللي عشت بيها أربعين سنة بدأت ترجع في دماغي.
ليه أبويا اختفى؟
ليه سابني؟
ليه كان بيراقبني من بعيد؟
وليه استدعاني قبل رحيله بأسبوع واحد بالذات؟
بصيت للمحامي وقلت:
أنا عايزة أعرف كل حاجة.
قال:
هتعرفي… بس مش هنا.
ليه؟
قرب مني وقال بصوت منخفض:
لأن القصر ده متراقب.
اتلفت حواليا بصدمة.
مين بيراقبه؟
قال:
الشخص اللي أبوكي كان قلقان منه.
قبل ما أكمل كلامي، سمعنا صوت زجاج بيتكسر من الدور التاني.
الكل اتجمد.
الضابط سحب جهاز الاتصال وقال:
محدش يتحرك.
بعد ثواني، جري أحد الحراس على السلم.
وبعدها سمعنا صرخة عالية.
جريت ناحية السلم من غير ما أفكر، لكن الضابط وقفني.
ارجعي!
الحارس نزل وهو بيجري، ووشه أبيض.
وقال:
أستاذ فؤاد… المكتب اتفتح!
المحامي اتغير لونه.
مستحيل.
طلعنا كلنا للمكتب.
الباب كان مقفول قبل دقائق.
دلوقتي كان مفتوح.
والأدراج كلها متفتحة.
والأوراق مبعثرة على الأرض.
لكن أغرب حاجة كانت إن الظرف اللي كان معايا اختفى.
بصيت لإيدي.
الصفحة الأخيرة كانت لسه معايا.
لكن باقي الأوراق… اختفت.
كارولين كانت واقفة بعيد، ساكتة.
وفجأة قالت:
يمكن حد دخل وأخدها.
المحامي بص لها وقال:
محدش كان يعرف إن الأوراق دي موجودة.
سكتت.
ثم التفتت ناحيتي وقالت:
إلا شخص واحد.
قلت:
مين؟
كارولين قربت مني، وقالت:
إنتِ.
وقبل ما أرد عليها، الضابط قال:
استنوا…
كان ماسك ظرف صغير لاقاه تحت المكتب.
فتحه.
وأخرج منه صورة قديمة جدًا.
حطها قدام عيني.
بصيت للصورة…
وكان فيها أبويا، وأمي، وأنا طفلة صغيرة.
لكن كان فيه شخص رابع واقف جنبهم.
شخص عمري ما شفته في حياتي.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط أبويا:
لو سوسن شافت الصورة دي، يبقى الوقت جه تعرف مين الشخص اللي أبعد عنها أبوها 34 سنة.
رفعت عيني للمحامي.
وقلت:
مين الراجل ده؟
المحامي فضل ساكت.
لكن كارولين همست من ورايا:
ده… جدي.
التفت لها بسرعة.
جدك؟! إزاي؟
كارولين بصتلي، وعينيها مليانة دموع.
وقالت:
لأن أبويا عمره ما كان الابن الحقيقي لحسن.
سكت الجميع.
وأنا حسيت إن السر اللي دفنوه 34 سنة… لسه بيبدأ يتكشف.
فضلت باصة لكارولين كأني مستنية منها تضحك وتقول إنها بتهزر.
لكنها ما ضحكتش.
المحامي قفل باب المكتب وقال:
اللي هيتقال هنا مش هيخرج من الأوضة دي.
بصيت له وقلت:
أنا مش فاهمة حاجة. إزاي حسن يبقى مش أبو كارولين الحقيقي؟
كارولين ردت بصوت مكسور:
حسن كان مربيّني… لكن أبويا الحقيقي توفي قبل ما أتولد.
سألتها:
وأبويا كان عارف؟
هزت رأسها.
كان عارف كل حاجة.
المحامي حط الصورة على المكتب وقال:
الصورة دي اتصورت قبل ولادتك بسنة.
بصيت للصورة مرة تانية.
أمي كانت واقفة جنب حسن، والشخص الغريب واقف الناحية التانية.
قلت:
طب الراجل ده مين؟
المحامي قال:
اسمه محمود.
تجمدت.
محمود مين؟
قال:
محمود الراوي… الشريك القديم لحسن.
كارولين شهقت.
هو؟
المحامي أومأ.
أيوه. وهو الشخص اللي اختفى في نفس السنة اللي ابتعدت فيها سوسن عن حياة حسن.
بصيت له بعدم تصديق.
يعني إيه اختفى؟
قال:
محمود اختفى فجأة، وبعدها بأيام حسن سلّم سوسن لدار الرعاية.
اتسعت عيني.
أبويا هو اللي سلّمني؟
المحامي سكت.
وكان السكوت كفاية.
حسيت بغضب شديد.
كارولين قربت مني وقالت:
هو ماكانش قادر يحميكي.
صرخت فيها:
ماكانش قادر؟! أنا كنت طفلة!
لكنها قالت جملة خلتني أسكت:
لأن اللي كان بيهددك… كان أقرب شخص ليكي.
بصيت لها.
مين؟
كارولين بصت للمحامي.
المحامي قال:
الاسم موجود في تسجيل أبوكي.
ثم أخرج جهاز تسجيل صغير من درج المكتب.
ضغط زر التشغيل.
اتسمع صوت أبويا.
صوت ضعيف ومتعب، لكنه واضح:
سوسن… لو بتسمعي كلامي ده، يبقى أنا رحلت.
اتحبست أنفاسي.
أنا عارف إنك هتكرهيني لما تعرفي الحقيقة… ويمكن عمرك ما تسامحيني.
صوته اتقطع لحظة.
ثم كمل:
لكن أنا أبعدتك عني عشان أحميكي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كان فيه شخص في عيلتنا مستعد يعمل أي حاجة عشان يوصل لثروة العيلة… وكان شايف إن وجودك خطر على كل اللي بناه.
المحامي وقف التسجيل فجأة.
صرخت:
ليه وقفته؟!
قال:
لأن الجزء اللي بعده… لازم تسمعيه وإنتِ مستعدة.
قلت:
شغله.
بصلي للحظات، وبعدين ضغط الزر.
رجع صوت أبويا:
الشخص ده كان عارف إن سوسن هي الوريثة الوحيدة لجزء من ممتلكات أمها.
اتصدمت.
وريثة؟!
كارولين بصتلي بصدمة هي كمان.
أبويا كمل:
لكن أخطر حاجة… إن الشخص ده كان عارف إن أم سوسن تركت دليلًا يثبت ملكيتها لأموال كبيرة قبل وفاتها.
صوت التسجيل بدأ يضعف.
ثم قال أبويا آخر جملة:
والدليل ده… مخبّي في مكان سوسن عاشت فيه وهي طفلة.
وفجأة التسجيل انتهى.
ساد الصمت.
بصيت للمحامي وقلت:
أي مكان؟
قال:
دار الرعاية.
وأنا بجهز نفسي، لقيت حاجة صغيرة واقعة على الأرض جنب مكتبي.
مفتاح قديم.
وعليه رقم 17.
تحت الرقم كان محفور اسم واحد: سوسن.
عرفت وقتها إن أبويا ماكانش بيحاول يسيبلي ثروة.
كان بيحاول يسلّمني سرًا…
ولو السر ده وقع في إيد الشخص الغلط، ممكن يغيّر حياتي كلها.
مسكت المفتاح بقوة.
هو كان مخبيه من إمتى؟
المحامي قال:
غالبًا من يوم ما اتنقلتي من الدار.
قلت:
طب ليه مااداهوليش بنفسه؟
المحامي رد:
لأنه كان متأكد إن لو إنتِ عرفتي مكانه قبل الوقت المناسب… حياتك هتكون في خطر.
خرجنا من القصر بسرعة.
وصلنا دار الرعاية بعد حوالي ساعة.
المكان كان قديم جدًا، والمبنى تقريبًا زي ما هو رغم مرور السنين.
أول ما دخلت، حسيت بحاجة غريبة.
ريحة المكان… الممر… السلم الخشبي…
مشيت ناحية الممر القديم.
وفجأة وقفت.
هنا.
المحامي سألني:
إيه؟
أشرت لباب قديم.
أوضتي.
كان مكتوب على الباب رقم 17.
حطيت المفتاح في القفل.
الباب اتفتح بسهولة.
دخلت.
الأوضة كانت فاضية تقريبًا.
سرير قديم. دولاب صغير. وشباك عليه قضبان حديد.
مشيت ناحية الحائط.
وفجأة افتكرت حاجة.
وأنا صغيرة، كنت بخبط على الحيطة دي كل ليلة.
كنت بسمع صوت غريب وراها.
حطيت إيدي عليها.
وخبطت مرتين.
سمعت صوت مكتوم.
الضابط قرب بسرعة.
في فراغ ورا الحيطة.
المحامي بدأ يدور على أي فتحة.
وبعد دقائق، لقينا قطعة خشب صغيرة مستخبية تحت طبقة دهان.
شدوها.
ظهر تجويف صغير.
وفيه صندوق معدني أسود.
قلبي بدأ يدق بعنف.
المحامي فتحه.
جواه كان فيه ظرف قديم جدًا.
وعليه اسم:
إلى سوسن… عندما تبلغ الأربعين.
فتحت الظرف.
كان فيه ورقة واحدة وصورة.
قرأت:
سوسن، لو وصلتي للصندوق ده، يبقى حسن رحل، وأنا ماقدرتش أوصل لكِ بنفسي.
أنا محمود الراوي.
أنا مش عدو أبوكي… وأنا مش الشخص اللي اختفى.
وقبل ما أكمل، سمعنا صوت خطوات في الممر.
الضابط أشار لنا نسكت.
الخطوات قربت.
وبعدين توقفت قدام باب الغرفة.
مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء.
كارولين كانت واقفة خلفي.
وفجأة همست:
سوسن… أنا عارفة مين برا.
الباب بدأ يتفتح…




