قصص و روايات

مواطن مصري

تُعد الكرامة الإنسانية وصون الحقوق من أسمى الغايات التي تحرص عليها المجتمعات العادلة. فالعمل شرف، والجهد الإنساني يستحق التقدير والأجر كاملاً دون نقصان أو إهانة. وفي طيات الحياة اليومية، قد يتعرض الإنسان لبعض المواقف الصعبة والمؤلمة التي تختبر صبره وقدرته على التحمل، لكن العدالة الإلهية والأرضية غالباً ما تظهر في اللحظات غير المتوقعة لتعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، وتنصف المظلوم مهما كانت الظروف قاسية أو معقدة.

 

بداية الأزمة: ظلم وتعسف في بلاد الغربة
تبدأ أحداث هذه القصة مع مواطن مصري بسيط يُدعى “محمد عبد الهادي”، والذي سافر مغترباً للعمل وكسب العيش بالحلال في دولة العراق الشقيقة. كان يعمل بجد واجتهاد باليومية لتأمين قوت يومه ومساعدة أسرته في مصر، حيث كان دائم الحرص على إرسال كل ما يجمعه من أموال أولاً بأول إلى أهله لتلبية احتياجاتهم المعيشية.

في أحد الأيام، وقعت مشادة كلامية وعراك حاد بينه وبين أحد التجار المحليين هناك، بسبب رفض التاجر إعطاء العامل المصري أجره المتفق عليه نظير عمله الجاد. ولم يتوقف الأمر عند حدود منع الأجر فحسب، بل تمادى التاجر في تعنيفه وإهانته، مهدداً إياه بأنه لن يستطيع المكوث في البلاد بعد اليوم، ومتباهياً بوجود علاقات نفوذ تحميه. انصرف العامل المصري متأثراً بما حدث له، وكان في جيبه فلس واحد، إذ لم يتبقي معه شيء بعد أن أرسل نقوده لأهله قبل أيام قليلة. ذهب إلى غرفته مثقلاً بالهموم والآلام، يشعر بمرارة الظلم وضياع الجهد.

بصيص الأمل ورسالة غير متوقعة
أخبر العامل جاره وصديقه العراقي بكل ما حدث معه تفصيلاً. تعاطف الجار كثيراً مع قصة العامل، وقام بتهدئته وطمأنته بكل شهامة ومحبة. ثم أحضر ورقة وقلمًا وكتب رسالة شرح فيها تفاصيل الواقعة وما تعرض له العامل من ظلم وتعسف وتهديد.

في البداية، تردد العامل كثيراً في إرسال هذا الخطاب، خوفاً من أي ملاحقات أمنية أو أضرار قد تلحق به، خصوصاً أنه لم يكن يتخيل بنسبة ضئيلة جداً أن تصل رسالته إلى رأس الدولة أو أي مسؤول رفيع المستوى، ظناً منه أن الخطاب سيُهمَل كغيره. لكنه استمد الشجاعة في الصباح الباكر، وتوجه صحبة جاره وبعض المقربين إلى أحد مكاتب البريد في بغداد لإرسال الرسالة رسمياً إلى رئاسة الجمهورية.

ليلة القلق والترقب في بغداد
كانت الأجواء المناخية قاسية والبرد قارساً، والرياح تعبث بالنوافذ بقوة، وهو ما ضاعف من شعور الخوف والقلق لدى العامل، ظناً منه أن الأجهزة الأمنية ستداهم غرفته بسبب جرأته على تقديم شكوى رسمية ضد مواطن محلي، ثم إرسالها بشكل مباشر للرئاسة.

مرت ساعات الليل بطيئة وثقيلة، وتحديداً في تمام الساعة العاشرة ليلًا، هب العامل فزَعاً على صوت طرقات شديدة وعنيفة على باب غرفته. شعر حينها بأن الأمر قد انتهى وبأن حياته المعيشية والمهنية في مهب الريح. فتح الباب بسرعة ليفاجأ بوجود عدد من رجال الأمن والحرس الجمهوري. شعر بالرعب البالغ وأخذ يقسم لهم بأنه لم يرتكب أي خطأ وأنه مظلوم تماماً.

لكن المفاجأة كانت في تعامل رجال الأمن الراقي؛ فقد ربتوا على كتفه بلطف، وطلبوا منه ارتداء ملابسه بهدوء لأن هناك مقابلة مهمة جداً في انتظاره مع أحد المسؤولين الكبار، مؤكدين له أن حقه كاملاً سيُرد إليه.

المفاجأة الكبرى واللقاء غير المتوقع
ركب محمد عبد الهادي السيارة برفقة رجال الأمن، واستغرقت الرحلة نحو نصف ساعة وهو لا يدري إلى أين هم ذاهبون ولا ما هو مصيره. ظن في أفضل الأحوال أنه سيقابل ضابط أمن رفيع المستوى. لكن المفاجأة وقعت عليه كالصاعقة عندما وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع القيادة العليا للبلاد.

لم يصدق العامل ما تبصرة عيناه، وظن أنه في حلم أو مهيمن عليه بفعل إرهاق الأمس، حتى أيقظه الواقع بأنه يقف أمام الرئيس العراقي. غلبت الدموع عينيه من شدة التأثر والمفاجأة، فتقدم الرئيس ليربت على كتفيه بكل أبوة وحنان، وأمر بإحضار ما يهدئ روعه، مخاطباً إياه بعبارات التطمين: “أنت في بلدك ولا تقلق نهائياً، وحقك سيأتي كاملاً مكملاً، فنحن لا نقبل أبداً إهانة أي ضيف أو عربي على أرض العراق”.

إنصاف المظلوم وترسيخ العدالة
على الفور، أصدرت التوجيهات الحازمة بالقبض على التاجر الذي اعتدى على العامل المصري وكل من ساعده أو حاول استغلال النفوذ لتهديده. كما أمر بتوفير الرعاية الكاملة للمواطن المصري، وتذليل كافة العقبات التي تواجهه، وتخصيص مساعدة مالية كبيرة له، وتوفير فرصة عمل كريمة تتناسب مع ظروفه، إلى جانب توفير الرعاية الصحية الكاملة له في أرقى المستشفيات.

أكدت هذه المواقف على عمق العلاقات الإنسانية والأخوية بين الشعبين الشقيقين، وشددت على أن سيادة القانون وإنصاف المظلوم هما اساس استقرار أي مجتمع عادل. خرج العامل المصري من تلك التجربة القاسية وهو يستشعر معاني الكאمة الحقيقية والعدالة الناجزة، لتظل هذه الحادثة شاهدة على وفاء المواقف الإنسانية الخالدة في الذاكرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى