قصص و روايات

حماتي

تدخل القانون وتحرك الجهات الرسمية
لم تنهِ الدكتورة جملتها حتى انفتح باب الغرفة، ودخل اثنان من رجال الشرطة بخطى ثابتة، وطلب أحدهما من أشرف مرافقتهما للاستفسار عن ملابسات الواقعة. حاول أشرف اصطناع الابتسام وادعاء سوء التفاهم، لكن الضابط رد بحزم: “سنتحدث في القسم ونفهم كل التفاصيل”.

بعد مغادرتهما، أغلقت الدكتورة الباب وابتسمت لي باطمئنان، مؤكدة أن الملف الأزرق تم تسليمه للمحامي المختص. وبعد ساعتين فقط، حضر الأستاذ “حسام” محامي العائلة، وهو يحمل حقيبته الجلدية، وأخرج ظرفاً كبيراً يضم نسخة من صندوق الأمانة ووصية والدي الخطية، والتي تنص صراحة على أن أي اعتداء يتعرض له أصحاب الحقوق يستوجب تفعيل الإجراءات القانونية فوراً ودون تهاون.

في غرفة التحقيقات بالقسم، حاول أشرف إنكار الواقعة والادعاء بأنني تسببت في إيذاء نفسي، لكن الضابط قام بتشغيل مقطع الفيديو المسجل من كاميرا المطبخ. كانت الصورة ناطقة وواضحة كشمس النهار؛ والدته وهي تحمل الأناء وتفتعل المشكلة، وأشرف وهو واقف يتابع الموقف بسلبية تامة دون محاولة للمساعدة أو طلب الإسعاف، بل ويشجعها بكلماته القاسية.

ولم تقتصر المفاجآت عند هذا الحد؛ فقد تلقى الضابط مكالمة هاتفية عاجلة من إدارة البنك تفيد بأن أشرف حاول سحب أموال وإجراء معاملات بنكية على أصول لا تملكه، ليؤكد البنك أن الحسابات تتبع صندوقاً ائتمانياً خاصاً، وأن صاحبة الحق الوحيدة فيه هي أنا وحدي. بناءً على ذلك، أصدرت المحكمة قراراً عاجلاً بتجميد كافة حسابات أشرف، والتحفظ على الشركة، ومنعه من التصرف في أي أصل من الأصول.

إخلاء البيت وسقوط القناع
حاولت حمالة المنزل إثارة الفوضى في القسم والادعاء بأنهما صاحبا المكان، لكن موظفي الجهات المعنية ردوا بكل هدوء أن وجودهما كان بصفة مؤقتة، وأن السند القانوني للملكية يثبت عكس ذلك تماماً.

بعد يومين فقط، حضرت قوة تنفيذية برفقة محضرين لتطبيق قرار إخلاء العقار. كان أشرف ووالدته يقفان أمام الباب بينما يقوم العمال بإخراج متعلقاتهما الشخصية. وكانت حماته تصرخ بلا فائدة بينما يؤكد المحضر أن أوراق الملكية الرسمية تحسم الأمر تماماً.

حاول أشرف التواصل معي مراراً وتكراراً عبر رسائل نصية تحمل كلمات الاعتذار وإلقاء اللوم على والدته، إلا أن كافة تلك الرسائل والمحاولات تمت أرشفته وإضافتها إلى ملف القضية الرئيسي لتقديمها للجهات القضائية كدليل إضافي على سوء النية والتعمد.

ساحات القضاء وعودة الحقوق
خلال جلسات المحاكمة، حاول فريق الدفاع عن أشرف الطعن في صحة الفيديوهات والأدلة الرقمية، لكن تقارير الأدلة الجنائية والطب الشرعي حسمت الجدل وأكدت سلامة التسجيلات وأن الإصابات وقعت بفعل فاعل ونتيجة لتعمد واضح.

وجه القاضي أسئلة مباشرة للمتهمين حول أسباب الإهمال وعدم طلب المساعدة الطبية في الوقت المناسب، ولم يجدوا ما يبرر موقفهم القانوني. وفي ختام الجلسات، أصدرت المحكمة أحكاماً قضائية حاسمة تتضمن السجن لمشاركة أفراد الأسرة في الأفعال الضارة وإخفاء الحقائق، فضلاً عن إلزامهما بتعويض مدني كبير لجبر الضرر المادي والمعنوي الذي تعرضت له.

حين غادرت مبنى المحكمة وسط اهتمام إعلامي واسع، سألني أحد الصحفيين عن شعوري بعد تحقيق هذا الانتصار القانوني، فأجبت بابتسامة هادئة رغم آثار الإصابات البسيطة المتبقية:

“أنا لم أربح اليوم بسبب القضية فحسب.. أنا كسبت يوم أن قررت ألا أستسلم للخوف”.

بداية جديدة وعطاء مستمر
بعد فترة من التعافي الجسدي والنفسي، عدت إلى ممارسة مهنة المحاماة التي طالما عشقتها، وقررت تخصيص جزء كبير من وقتي للتطوع وتقديم الدعم القانوني المجاني للنساء اللواتي يواجهن ظروفاً صعبة وضغوطاً أسرية مشابهة. وكل قضية كنت أساهم في حلها واسترداد حق صاحبتها، كنت أشعر أن جزءاً من جروحي القديمة يلتئم من جديد.

في أحد الأيام، وأنا أغادر مبنى المحكمة بعد انتهاء إحدى الجلسات، صادفت بالصدفة سيارة الترحيلات، ولمحت أشرف من خلف القضبان الحديدية. التقت عيوننا للحظة واحدة، فطاطأ رأسه والتفت بعيداً، بينما واصلت طريقي بخطوات ثابتة نحو الأمام ودون أن ألتفت وراءه أبداً. لقد أيقنت تماماً أن هناك أشخاصاً تعيقهم أخطاؤهم عن رؤية الحقيقة، وأن النجاح الحقيقي يكمن في الإرادة والتمسك بالحق حتى آخر المشوار.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى